السيد أحمد الهاشمي
33
جواهر البلاغة
وإيراد الكلام على صورة الإطناب « 1 » أو الإيجاز مطابقة للمقتضى وليست البلاغة « 2 » إذا منحصرة في إيجاد معان جليلة ، ولا في اختيار ألفاظ واضحة جزيلة . بل هي تتناول مع هذين الأمرين أمرا ثالثا : هو إيجاد أساليب مناسبة للتأليف بين تلك المعاني والألفاظ مما يكسبها قوة وجمالا . وملخص القول : أن الأمر الذي يحمل المتكلم على إيراد كلامه في صورة دون أخرى : يسمى « حالا » وإلقاء الكلام على هذه الصورة التي اقتضاها الحال يسمى « مقتضى والبلاغة هي مطابقة الكلام الفصيح لما يقتضيه الحال .
--> ( 1 ) . فإن اختلاف هذه الظروف يقتضي هيئة خصوصية من التعبير ، ولكل مقام مقال ، فعلى المتكلم ملاحظة المقام أو الحال : وهو الأمر الذي يدعوه إلى أن يورد كلامه على صورة خاصة تشاكل غرضه ، وتلك الصورة الخاصة التي يورد عليها تسمى المقتضى ، أو الاعتبار المناسب ، فمثلا الوعيد والزجر والتهديد مقام يقتضي كون الكلام المورد فيه فخما جزلا ، والبشارة بالوعد ، واستجلاب المودة ، مقام يتطلب رقيق الكلام ولطيفه : والوعظ مقام يوجب البسط والاطناب ، وكون المخاطب عاميا سوقيا ، أو أميرا شريفا ، يوجب الاتيان بما يناسب بيانه عقله . ( 2 ) . لأن البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع ، فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ، ومعرض حسن ، وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطا في البلاغة ، لأن الكلام إذا كانت عبارته رثة ، ومعرضه خلقا ، لم يسم بليغا وإن كان مفهوم المعنى ؛ مكشوف المغزى . فعناصر البلاغة إذا ( لفظ ومعنى ، وتأليف للألفاظ ) ؛ يمنحها قوة وتأثيرا وحسنا . ثم دقة في اختيار الكلمات والأساليب ، على حسب مواطن الكلام ومواقعه ، وموضوعاته وحال السامعين والنزعة النفسية التي تتملكهم وتسيطر على نفوسهم ، فرب كلمة حسنت في موطن ، ثم كانت مستكرهة في غيره ، ورب كلام كان في نفسه حسنا خلابا ، حتى إذا جاء في غير مكانه ، وسقط في غير مسقطه ، خرج عن حد البلاغة ، وكان غرضا لسهام الناقدين .