السيد أحمد الهاشمي

34

جواهر البلاغة

بلاغة المتكلم بلاغة المتكلم : هي ملكة في النفس « 1 » يقتدر بها صاحبها على تأليف كلام بليغ مطابق لمقتضى الحال . مع فصاحته في أي معنى قصده . وتلك غاية لن يصل إليها إلا من أحاط بأساليب العرب خبرا ، وعرف سنن تخاطبهم في منافراتهم ، ومفاخراتهم ، ومديحهم ، وهجائهم ، وشكرهم ، واعتذارهم ؛ ليلبس لكل حالة لبوسها ، ولكل مقام مقال .

--> ( 1 ) . أي أن الهيئة والصفة الراسخة الثابتة في نفس المتكلم يمكنه بواسطتها أن يعبر عن المعاني التي يريد إفادتها لغيره بعبارات بليغة ، أي مطابقة لحال الخطاب . فلو لم يكن ذا ملكة يقتدر بها على التصرف في أغراض الكلام وفنونه بقول رائع ، وبيان بديع بالغا من مخاطبه كل ما يريد ، لم يكن بليغا ، وإذا لا بد للبليغ : أولا من التفكير في المعاني التي تجيش في نفسه ، وهذه يجب أن تكون صادقة ذات قيمة ، وقوة يظهر فيها أثر الابتكار وسلامة النظر وذوق تنسيق المعاني وحسن ترتيبها ، فإذا تم له ذلك عمد إلى الألفاظ الواضحة المؤثرة الملائمة ، فألف بينها تأليفا يكسبها جمالا وقوة . فالبلاغة ليست في اللفظ وحده ، وليست في المعنى وحده ، ولكنها أثر لازم لسلامة تآلف هذين وحسن انسجامهما . وقد علم أن البلاغة أخص والفصاحة أعم لأنها مأخوذة في تعريف البلاغة ، وأن البلاغة يتوقف حصولها على أمرين ، الأول : الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المقصود ، والثاني : تمييز الكلام الفصيح من غيره ، لهذا كان للبلاغة درجات متفاوتة تعلو وتسفل في الكلام بنسبة ما تراعى فيه مقتضيات الحال ، وعلى مقدار جودة ما يستعمل فيه من الأساليب في التعبير والصور البيانية والمحسنات البديعية وأعلى تلك الدرجات ما يقرب من حد الاعجاز ، وأسفلها ما إذا غير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات العجم ، وإن كان صحيح الإعراب : وبين هذين الطرفين مراتب عديدة .