السيد أحمد الهاشمي
286
جواهر البلاغة
رحلت فكم باك بأجفان شادن * عليّ وكم باك بأجفان ضيغم « 1 » وما ربة القرط المليح مكانه * بأجزع من رب الحسام المصمم « 2 » فلو كان ما بي من حبيب مقنع * عذرت ولكن من حبيب معمّم رمى واتقى رميي ومن دون ما اتقى * هوى كاسر كفي وقوسي وأسهمي إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده من توهم فإنه كنى عن سيف الدولة ، أولا : بالحبيب المعمم ، ثم وصفه بالغدر الذي يدعي أنه من شيمة النساء ، ثم لامه على مبادهته بالعدوان ، ثم رماه بالجبن لأنه يرمي ويتقي الرمي بالاستتار خلف غيره ، على أن المتنبي لا يجازيه على الشر بمثله ، لأنه لا يزال يحمل له بين جوانحه هوى قديما ، يكسر كفه وقوسه ، وأسهمه ، إذا حاول النضال ، ثم وصفه بأنه سيىء الظن بأصدقائه لأنه سيىء الفعل ، كثير الأوهام والظنون ، حتى ليظن أن الناس جميعا مثله في سوء الفعل ، وضعف الوفاء ، فانظر كيف نال المتنبي من سيف الدولة هذا النيل كله ، من غير أن يذكر من اسمه حرفا . هذا ، ومن أوضح مميزات الكناية التعبير عن القبيح بما تسيغ الآذان سماعه ، وأمثلة ذلك كثيرة جدا في القرآن الكريم ، وكلام العرب فقد كانوا لا يعبرون عما لا يحسن ذكره إلا بالكناية ، وكانوا لشدة نخوتهم يكنون عن المرأة بالبيضة والشاة . ومن بدائع الكنايات قول بعض العرب : ألا يا نخلة من ذات عرق * عليك ورحمة اللّه السّلام « 3 » [ الوافر ] فإنه كنى بالنخلة ، عن المرأة التي يحبها .
--> ( 1 ) . الشادن ولد الغزال ، والضيغم الأسد ، أراد بالباكي بأجفان الشادن المرأة الحسناء ، وبالباكي بأجفان الضيغم الرجل الشجاع . يقول كم من نساء ورجال بكوا على فراقي ، وجزعوا لارتحالي . ( 2 ) . القرط ما يعلق في حمة الأذن ، والحسام السيف القاطع ، والمصمم الذي يصيب المفاصل ويقطعها ، يقول لم تكن المرأة الحسناء بأجزع على فراقي من الرجل الشجاع . ( 3 ) . ذات عرق موضع بالبادية وهو مكان إحرام أهل العراق .