السيد أحمد الهاشمي
283
جواهر البلاغة
ومن لطيف ذلك قول بعضهم : [ الطويل ] سألت الندى والجود ما لي أراكما * تبدّلتما ذلا بعز مؤبد وما بال ركن المجد أمسى مهدّما * فقالا ، أصبنا بابن يحيى محمد فقلت : فهلا متما عند موته * فقد كنتما عبديه في كل مشهد فقالا : أقمنا كي نعزّى بفقده * مسافة يوم ثم نتلوه في غد والكناية من ألطف أساليب البلاغة وأدقها ، وهي أبلغ من الحقيقة والتصريح ، لأن الانتقال فيها يكون من الملزوم إلى اللازم فهو كالدعوى ببينة ، فكأنك تقول في زيد كثير الرماد زيد كريم ، لأنه كثير الرماد وكثرته تستلزم كذا الخ ، كيف لا وأنها تمكن الإنسان من التعبير عن أمور كثيرة ، يتحاشى الإفصاح بذكرها ، إما احتراما للمخاطب أو للإبهام على السامعين ، أو للنيل من خصمه ، دون أن يدع له سبيلا عليه ، أو لتنزيه الأذن عما تنبو عن سماعه ونحو ذلك من الأغراض واللطائف البلاغية . تمرين بين أنواع الكنايات الآتية ، وعين لازم معنى كل منها . 1 - قال البحتري يصف قتله ذئبا : [ الطويل ] فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها * بحيث يكون اللبّ والرّعب والحقد « 1 »
--> ( 1 ) . ضمير أتبعتها بعود على الطعنة ، وأضللت أخفيت ، والنصل حديدة السيف واللب العقل ، والرعب الفزع والخوف . واعلم أن الكناية : إما حسنة ، وهي ما جمعت بين الفائدة ولطف الإشارة كما في الأمثلة السابقة . وإما قبيحة ، هي ما خلت عن الفائدة المرادة ، وهي معيبة لدى أرباب البيان كقول المتنبي : إني على شغفي بما في خمرها * لأعف عما في سراويلاتها كناية عن النزاهة والعفة . إلا أنها قبيحة لسوء تأليفها وقبح تركيبها .