السيد أحمد الهاشمي

17

جواهر البلاغة

غدائره مستشزرات إلى العلا * تضل العقاص في مثنّى ومرسل « 1 » ولا ضابط لمعرفة الثقل والصعوبة سوى الذّوق السليم ، والحسّ الصادق الناجمين عن النظر في كلام البلغاء وممارسة أساليبهم « 2 » . وأمّا غرابة الاستعمال ، فهي كون الكلمة غير ظاهرة المعنى ، ولا مألوفة الاستعمال عند العرب الفصحاء ، لأنّ المعوّل عليه في ذلك استعمالهم .

--> ( 1 ) . « الغدائر » الضفائر ، والضمير يرجع إلى ( فرع ) في البيت قبله ( والاستشزار ) الارتفاع ( والعقاص ) جمع عقيصة وهي الخصلة من الشعر ( والمثنى ) الشعر المفتول ( والمرسل ) ضده أي ابنة عمه لكثرة شعرها بعضه مرفوع ، وبعضه مثنى ، وبعضه مرسل ، وبعضه معقوص ، أي ملوي . ( 2 ) . الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، قسمان حسنان ، وقسم قبيح ، فالقسمان الحسنان : أحدهما ما تداول استعماله السلف والخلف من الزمن القديم إلى زماننا هذا ولا يطلق عليه أنه وحشي . والآخر ما تداول استعماله السلف دون الخلف ، ويختلف في استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله ، وهذا هو الذي يعاب استعماله عند العرب لأنه لم يكن عندهم وحشيا وهو عندنا وحشي . ولا يسبق وهمك إلى قول قصراء النظر بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا ، فهذا دليل على أنه حسن ، بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا ، هو الذي كان عند العرب مستحسنا ، والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحا ، والاستعمال ليس بدليل على الحسن ، فإننا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس يحسن ، وإنما نستعمله لضرورة ، فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال ، واعلم أن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال ، وإنما هو شيء له خصائص وهيئات وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه ، ألا ترى أن لفظة ( المزنة ) مثلا حسنة عند الناس كافة من العرب وغيرهم ، لا يختلف أحد في حسنها وكذلك لفظ ( البعاق ) فإنها قبيحة عند الناس كافة من العرب وغيرهم ، فإذا استعملتها العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجا لها عن القبح ، ولا يلتفت إذن إلى استعمالها إياها بل يعاب مستعملها ويغلظ له النكير حيث استعملها ، فلا تظن أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك ويثقل عليك النطق به وإنما هو الغريب الذي يقل استعماله ، فتارة يخف على سمعك ولا تجد به كراهة وتارة يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة ، وذلك في اللفظ عيبان : كونه غريب الاستعمال وكونه ثقيلا على السمع كريها على الذوق . وليس وراءه في القبح درجة أخرى ، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله شيء من معرفة هذا الفن أصلا . انتهى عن المثل السائر ، بتصرف .