السيد أحمد الهاشمي
18
جواهر البلاغة
والغرابة قسمان : القسم الأول : ما يوجب حيرة السّامع في فهم المعنى المقصود من الكلمة : لتردّدها بين معنيين أو أكثر بلا قرينة . وذلك في الالفاظ المشتركة : كمسرّج ، من قول رؤبة بن العجاج : [ الرجز ] ومقلة وحاجبا مزجّجا * وفاحما ومرسنا مسرّجا « 1 » فلا يعلم ما أراد بقوله : مسرّجا حتى اختلف أئمة اللغة في تخريجه . فقال ابن دريد : يريد أنّ أنفه في الاستواء والدّقة كالسيف السّريجي . وقال « ابن سيده » : يريد أنه في البريق واللمعان كالسّراج « 2 » . فلهذا يحتار السّامع في فهم المعنى المقصود لتردّد الكلمة بين معنيين بدون « قرينة » تعيّن المقصود منهما . فلأجل هذا التردد ، ولأجل أنّ مادة ( فعّل ) تدلّ على مجرّد نسبة شيء لشيء ، لا على النسبة التشبيهيّة : كانت الكلمة غير ظاهرة الدلالة على المعنى فصارت غريبة . وأما مع القرينة فلا غرابة - كلفظة : عزّر في قوله تعالى : فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ [ الأعراف : 157 ] فإنها مشتركة بين التّعظيم والإهانة . ولكن ذكر النصر قرينة على إرادة التعظيم .
--> ( 1 ) . مزججا : مدققا مطولا ( فاحما ) شعرا أسود كالفحمة ( مرسنا ) بكسر الميم وفتح السين كمنبر ، أو بفتح الميم وكسر السين كمجلس ، ومعناه أنه ذو لمعان كالسراج أو ذو صقالة واحد يداب كالسيف السريجي أي المنسوب إلى سريج وهو قين حداد تنسب إليه السيوف في الدقة والاستواء . ( 2 ) . أي ولفظة مسرج غير ظاهرة الدلالة على ما ذكر ، لأن فعل إنما يدل على مجرد النسبة . وهي لا تدل على التشبيه ، فأخذه منها بعيد ، لهذا أدخل الحيرة على السامع في فهم المعنى المقصود من الكلمة لترددها بين معنيين أو أكثر بلا قرينة ، ومثله قول الشاعر : لو كنت أعلم أن آخر عهدكم * يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل [ الكامل ] فلا يعلم ما ذا أراد الشاعر بقوله فعلت ما لم أفعل ، أكان يبكي إذ رحلوا ، أم كان يهيم على وجهه من الغم الذي لحقه ، أم يتبعهم إذا ساروا ، أم يمنعهم من المضي على عزمة الرحيل .