محمد ناصر الألباني
23
إرواء الغليل
( كنا في رمضان على عهد رسول الله ( ص ) ، من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين ، حتى نزلت هذه الآية : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ) . أخرجه مسلم . ويشهد له حديث معاذ المتقدم . فهذا يبين لنا أن في حديث ابن عباس إشكالا آخر ، وهو أنه يقول : أن الرخصة التي كانت في أول الأمر ، إنما كانت للشيخ أو الشيخة وهما يطيقان الصيام ، وحديث سلمة ومعاذ يدلان على أن الرخصة كانت عامة لكل مكلف شيخا أو غيره ، وهذا هو الصواب قطعا لان الآية عامة ، فلعل ذكر ابن عباس للشيخ والشيخة لم يكن منه على سبيل الحصر ، بل التمثيل ، وحينئذ فلا اختلاف بين حديثه والحديثين المذكورين . ويبقى الخلاف في الاشكال الأول قائما لان الحديثين المشار إليهما صريحان في نسخ الآية . وابن عباس يقول ليست بمنسوخة ويحملها على الذين لا يستطيعون الصيام كما سبق بيانه ! فلعل مراد ابن عباس رضي الله عنه أن حكم الفدية الذي كان خاصا بمن يطيق الصوم ويستطيعه ثم نسخ بدلالة القرآن ، كان هذا الحكم مقررا أيضا في حق من لا يطيق الصوم ولا يستطيعه ، غير أن الأول ثبت بالقرآن ، وبه نسخ ، وأما الاخر فإنما ثبتت مشروعيته بالسنة لا بالقرآن ، ثم لم ينسخ ، بل استمرت مشروعيته إلى يوم القيامة ، فأراد ابن عباس رضي الله عنه أن يخبر عن الفرق بين الحكمين : بان الأول نسخ ، والاخر لم ينسخ ، ولم يرد أن هذا يثبت بالقرآن بآية ( وعلى الذين يطيقونه ) ، وبذلك يزول الاشكال إن شاء الله تعالى . ويؤيد ما ذكرته أن ابن عباس - في رواية عزرة - بعد أن ذكر نسخ الآية المذكورة قال : ( وثبت للشيخ الكبير ، والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم ، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا ، وأطعمتا كل يوم مسكينا ) .