جميل صليبا

287

المعجم الفلسفي

عن تضامن الأجيال المتعاقبة . وشاع هذا المعنى في القرن التاسع عشر شيوعا كبيرا ، حتى أطلقه العلماء على تضامن العلم والفن ، وعلى تضامن علم الأخلاق وعلم اللاهوت ، وعلى تضامن الظواهر الطبيعية في الأجسام الحية ، وهذا التضامن الذي أشار إليه ( اوغوست كومت ) و ( كلود برنارد ) إنما هو تضامن طبيعي طوعي يحدث من تلقاء نفسه على خلاف التضامن الواجب الذي يأمر به القانون . وإذا كانت علاقة الشيء بالشيء مقصورة على تأثير الأول في الثاني ، كان التضامن بينهما من جهة واحدة ، كعقرب الدقائق الذي يقود عقرب الساعات من دون أن يكون لحركة الثاني تأثير في حركة الأول . ومعنى ذلك أن حركة عقرب الساعات متضامنة مع حركة عقرب الدقائق ، على حين أن حركة عقرب الدقائق مستقلة عن حركة عقرب الساعات ، وهذا التضامن المقصور على جهة واحدة شبيه بتضامن العلة والمعلول في علم ( المكانيك ) : العلة تؤثر في المعلول ، ولكن المعلول لا يؤثر في العلة . ومن قبيل ذلك أيضا ما ذكره ( اوغوست كومت ) عن تأثير الأجيال المتعاقبة بعضها في بعض ، فالجيل السابق يؤثر في الجيل اللاحق ، وكل ظاهرة اجتماعية حاضرة تحمل آثار الماضي ، كأن الحاضر كما يقول ( ليبنيز ) ، مثقل بالماضي وممتلئ من المستقبل . على أن ( اوغوست كومت ) لا يسمي هذا التأثير تضامنا بل يسميه اتصالا ، وهو إذا شئت تضامن طبيعي ، يمكن أن يتخذ أساسا لقاعدة خلقية عامة ، توجب على كل جيل أن يعطي الجيل الذي يليه ما أخذه عن الجيل السابق ، وأن يضيف إليه ما عنده ، حتى تتصل الأجيال بعضها ببعض ، وتبلغ الحضارة غايتها . ويسمى هذا الواجب الملقى على عاتق كل جيل بواجب التضامن ( Devoir de Solidarite ) . ويطلق واجب التضامن أيضا على التزام أفراد المجتمع إعانة بعضهم بعضا . وإذا كان التعاون بينهم واجبا فمرد ذلك إلى كونهم أعضاء جسم واحد ، قال ابن خلدون : « إن اللّه سبحانه خلق الانسان وركبه على صورة لا يصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء ، وهداه إلى التماسه بفطرته ،