جميل صليبا

13

المعجم الفلسفي

للذهن يستنبط به بذاته الحد الأوسط . والذكاء قوة الحدس ، وتارة يحصل بالتعليم ، ومبادئ التعليم الحدس . فان الأشياء تنتهي لا محالة إلى حدوس استنبطها أرباب تلك الحدوس . ثم أدوها إلى المتعلمين . فيمكن أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس بشدة الصفاء ، وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية إلى أن يشتعل حدسا ، أعني قبولا لإلهام العقل الفعال في كل شيء ، فترتسم فيه الصور التي في العقل الفعال من كل شيء ، إما دفعة ، وإما قريبا من دفعة » « 1 » . ويقول أيضا في كتاب الإشارات : « وأما الحدس فهو أن يتمثل الحد الأوسط في الذهن دفعة ، إما عقيب طلب وشوق من غير حركة ، وإما من غير اشتياق وحركة » « 2 » . فهذه النصوص كلها تبين لنا أن معنى الحدس عند القدماء هو إصابة الحد الأوسط إذا وضع المطلوب ، أو إصابة الحد الأكبر إذا أصيب الأوسط ، وبالجملة سرعة الانتقال من معلوم إلى مجهول . وهذا المعنى كما ترى يختلف بعض الشيء عن المعنى الذي تدل عليه كلمة حدس ( Intuition ) عند الفلاسفة المحدثين ، ولكننا نلاحظ أن للحدس عند كل من هؤلاء الفلاسفة معنى خاصا . فهناك حدس عقلي كحدس البداهة ، وهناك حدس حسي ، وحدس نفسي ، وحدس فلسفي كالذي تكلم عليه « برغسون » . فإذا كان معنى الحدس مختلفا باختلاف الفلاسفة ، فان اختلاف معناه في الفلسفة الحديثة عن معناه في الفلسفة العربية القديمة لا يمنع من إطلاق اللفظ نفسه على المعنيين . ولا حاجة إلى البحث عن لفظ آخر كلفظ البداهة الذي اختاره بعضهم للدلالة على هذا المعنى ، لأن البداهة إنما تقابل كلمة ( evidence ) ، لا كلمة حدس . فيكفي إذن في هذه الحالة الاعتماد على اللفظ القديم ، مع تبديل معناه ، وتحديده تحديدا جديدا .

--> ( 1 ) ابن سينا : النجاة ، ص 272 - 274 من طبعة القاهرة . ( 2 ) ابن سينا : الإشارات ، ص 153 - 156 من الطبعة الخيرية ، القاهرة .