عليخان المدني الشيرازي
32
الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية
بالدلالة على ذاته من غير احتياج إلى أمر آخر إرشاد إلى التبرّك به ، وتوصّل إلى ندائه بياء المفيدة لهضم نفسه ، كما ذكرنا ، ودفع للتفخيم المستفاد من الخطاب . فإن قلت : قصده من قوله أحسن كلمة إلى آخره ، بداية كتابه بالحمد ليحصل له الفضل الوارد في ذلك ، وهذا ليس بحمد فضلا عن أن يكون حمدا مبدوّا به ، بل هو إخبار عن حكم من أحكام الحمد ؟ قلت : حمد اللّه تعالى هو الثناء عليه بصيغة الحمد أو غيره ، فالثناء على حمده ثناء عليه ، وسلوكه هذه الطريقة دون غيرها ممّا اشتهر في المؤلفات إشارة إلى أنّ طرق التعبير في هذا المقام غير منحصرة ، وعمل بمقتضى لكلّ جديد لذّة . قال النيسابوريّ « 1 » في تفسيره : أوّل ما بلغت الرّوح إلى سرّة آدم عطس ، فقال : الحمد للّه ربّ العالمين . وآخر دعوى أهل الجنّة : أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس / 10 ] ، ففاتحة العالم مبنيّة على الحمد ، وخاتمته على الحمد ، فاجهد أن يكون أوّل أعمالك وآخرها مقرونا بكلمة الحمد . فكأنّ المصنّف ( ره ) لاحظ هذا المعنى ، حيث عبّر بالابتداء والاختتام . « على جزيل » متعلّق بالحمد ، أي على عظيم « الإنعام » ، وهو إيصال النّعمة ، وعرّفت النعمة لأنّها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، وإنّما لم يتعرّض للمنعم به إشعارا بقصور العبارة عن الإحاطة به ، ولئلا يتوهّم اختصاصه ببعض دون آخر ، ولتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن . « والصلاة » بمعنى الرّحمة على ما هو المشهور من أنّها من اللّه تعالى مجاز ، إذ هي حقيقة بمعنى الدعاء من اللّه وغيره ، وقيل : هي منه تعالى الرحمة ، ومن الملائكة الاستغفار ، ومن الآدميّن التضرّع ، والأوّل أقوى للزوم الثاني الاشتراك ، والمجاز خير منه . « والسّلام » اسم من التسليم ، وهو التحيّة ، وجمع بينهما عملا بظاهر قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ الأحزاب / 23 ] ، وغاية السؤال بهما عائدة على السائل ، لأنّ اللّه تعالى قد أنعم على نبيه ( ص ) من المترلة والزّلفى « 2 » ما لا يوثّر فيه صلاة مصلّ ولا سلام مسلّم ، كما نطقت به الأخبار ، وصرّحت « 3 » به العلماء
--> ( 1 ) - النيسابوريّ نظام الدين حسن بن محمد القمىّ النيسابوريّ المتوفّى سنة 850 ه ، أصله من قم ومنشأه في نيشابور ، له كتب « غرائب القرآن ورغائب الفرقان » يعرف بتفسير النيسابوري و « شرح الشافية » في الصرف . الأعلام للزركلي 2 / 234 . ( 2 ) - الزلفى : القربى والمترلة . ( 3 ) - كلمة العلماء فاعل لفعل صرّحت والعلماء جمع تكسير لمذكر ، والفعل إذا أسند إلى جمع غير سلامة لمذكّر جاز إثبات التاء وحذفها ، يقول ابن مالك :