تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحسيني اللبناني
52
التعليق والشرح المفيد للحلقة الأولى
ولم يكن علم الأصول مستقلّا عن علم الفقه في البداية « 1 » ، ومن خلال نموّ علم الفقه واتّساع أفق التفكير الفقهي أخذت الخيوط العامّة والعناصر المشتركة في عملية الاستنباط تبدو وتتكشّف ، وأخذ الممارسون للعمل الفقهي يلاحظون عمليات الاستنباط في عناصر عامّة لا يمكن استخراج الحكم الشرعي بدونها ، وكان ذلك إيذانا بمولد علم الأصول واتّجاه الذهنية الفقهية اتجاها أصوليا ، فانفصل علم الأصول عن علم الفقه في البحث والتصنيف ، وأخذ يتّسع ويثرى تدريجا من خلال نموّ الفكر الأصولي من ناحية ، وتبعا لتوسّع البحث الفقهيّ من ناحية أخرى ؛ لأنّ اتساع نطاق التطبيق الفقهي كان يلفت أنظار الممارسين إلى مشاكل جديدة ، فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة ، وتتّخذ الحلول صورة العناصر المشتركة في علم الأصول . وكلّما بعد الفقيه عن عصر النصّ تعدّدت جوانب الغموض في فهم الحكم من مداركه الشرعية ، وتنوّعت الفجوات في عملية الاستنباط نتيجة للبعد الزمنيّ ، فيحسّ أكثر فأكثر بالحاجة إلى تحديد قواعد عامّة يعالج بها جوانب الغموض ، ويملأ بها تلك الفجوات ، وبهذا كانت الحاجة إلى علم الأصول تاريخيّة ، بمعنى أنها تشتدّ وتتأكّد كلّما ابتعد الفقيه تاريخيا عن عصر النصّ ، وتراكمت الشكوك على عملية الاستنباط
--> ( 1 ) . أي كما حاله الآن ، بل كان علم الأصول داخلا في الفقه مباشرة والفقيه يمارس علم الأصول من دون استقلالية عن الفقه .