ابن هشام الأنصاري

137

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

. . . . .

--> - تعالى : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى وقوله جلت كلمته فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي . وأما استدلاله على أنها تدل على تأبيد النفي بقوله تعالى : لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً فغير صحيح ، لأن الدلالة على استمرار عجزهم عن خلق الذباب لم تدل عليه لن ، وإنما دل عليه دليل عقلي كما قلناه في أول كلامنا ، وكلامه في دلالة لن وضعا ، ولئن سلمنا جدلا دلالتها على تأبيد النفي في هذه الآية بمعونة العقل فإنا لا نسلم أنها في كل تعبير ترد فيه تدل على ذلك ، فبطلت دعواه ولم يسلم له استدلاله . وأما دعواه الثانية فإنه ذكر في الكشاف في تفسير قوله تعالى لموسى لَنْ تَرانِي أن لن تدل على تأكيد النفي ، وهذا كلام غير مسلم ، بل لن مثل لا ، كلاهما يحتمل أن يكون المراد به نفي الفعل في جميع أجزاء المستقبل وأن يكون المراد به نفي الفعل في بعض أجزاء الزمن المستقبل ، فإذا قال لك قائل ( قم ) فقلت له ( لن أقوم ) صلح ذلك القول منك لأن تريد به أنك ممتنع عن القيام في جميع أجزاء الزمن المستقبل وأن تريد أنك ممتنع من القيام في بعض أجزاء الزمن المستقبل ، ولو قلت : ( لا أقوم ) لكان صالحا لذلك أيضا من غير أن يدل على تأبيد أو تأكيد . ( 3 ) ذهب ابن السراج وابن عصفور وتبعهما جماعة من النحويين إلى أن ( لن ) تقع دعائية ، أي أن الفعل الذي يليها يكون مقصودا به الدعاء واستدلوا على ما ذهبوا إليه بقوله تعالى : رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ وهو كلام عجيب ، لأن الآية الكريمة لا يتعين فيها هذا المعنى ، بل ليس هذا أفضل ما ينبغي أن تحمل عليه ؛ فإن أحسن من هذا أن تكون لن دالة على النفي المحض ، ويكون قائل هذه الجملة يعاهد ربه على ألا يظاهر مجرما شكرا لتلك النعمة التي أنعم بها عليه . وأعجب من هذا أن المؤلف ابن هشام اختار في كتابه مغني اللبيب أن لن تأتي للدلالة على الدعاء ، واستدل لذلك بقول الشاعر : لن تزالوا كذلكم ثمّ لا زل * ت لكم خالدا خلود الجبال فإن لن في صدر هذا البيت تحتمل أن تكون دالة على النفي المحض ، حتى لو قلنا ( لا ) بعدها دالة على الدعاء ، فإنه لا يلزم أن يتحد المعطوف مع المعطوف عليه خبرا أو إنشاء ، ولم يكتف بنفي هذا القول في كتابه قطر الندى ، بل رد عليه بما لا يزيد على ما ذكرناه ، فاعرف ذلك ، واللّه يرشدك .