ابن هشام الأنصاري
278
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
[ الرابع مما ينعت به المصدر ] الرابع : المصدر ( 1 ) ، قالوا ( هذا رجل عدل ، ورضا ، وزور ، وفطر ) وذلك ،
--> - وجملة التعجب تقع خبرا ، وكل من جملتي نعم والتعجب إنشائيتان كما هو معلوم لك ، ثم رجعوا - بعد هذا السماع المطرد - إلى السر في وقوع الخبر جملة إنشائية وفي عدم وقوع الحال جملة إنشائية ، فوجدوا في طبيعة ما يراد من الخبر وما يراد من النعت ما يؤيد ذلك ، وبيان هذا أن المتكلم بجملة من مبتدأ وخبر يريد أن يفيد المتكلم ثبوت شيء كان مجهولا له لشيء معلوم له . أما الشيء الذي كان مجهولا للمخاطب فهو الخبر ، وأما الشيء الذي كان متصورا للمخاطب فهو المبتدأ . ومحال في مجاري العادة أن يقصد المتكلم إفادة المخاطب ثبوت شيء معلوم له لشيء معلوم له أيضا ، لأنه لا فائدة في ذلك ، كما أن محالا في مجرى العادة أن يقصد المتكلم إفادة المخاطب ثبوت شيء مجهول له لشيء مجهول له أيضا ، ومن أجل هذا كان مما لا بد منه أن يكون المبتدأ معرفة أو نكرة كالمعرفة ، وكان الخبر نكرة أو معرفة كالنكرة ، والجمل الإنشائية كالجمل الخبرية في أن كلّا منهما في قوة النكرة ، أما المتكلم بالنعت فإنه يريد توضيح المنعوت أو تخصيصه للمخاطب ، والتوضيح ومثله التخصيص لا يكون إلا بشيء معروف للمخاطب في ذاته ، ضرورة أنه لا يمكن لك أن توضح للمخاطب شيئا مبهما غير معلوم له بشيء مبهم مثله ، ولما كانت الجملة الإنشائية من طبيعتها ألا تكون معلومة قبل التكلم بها ، إذ إن المراد بها تحصيل شيء غير حاصل ، لم تصلح أن تكون نعتا موضحة أو مخصصة ، أما الجملة الخبرية فلكونها حديثا عن شيء قد وقع وحدث قبل التكلم بها ، فكانت لذلك صالحة أن تكون معلومة ، صلحت : لوقوعها نعتا . ( 1 ) أنت تعلم أن المصدر اسم دال على معنى هو الحدث ، ولا دلالة له على الذات ، فإذا قلت : ( هذا رجل عدل ) مع بقاء كل من النعت والمنعوت على معناه الأصلي - كنت قد وصفت الذات بالمعنى ، وهو لا يجوز ، ومن أجل هذا التزم البصريون والكوفيون جميعا للتخلص من هذا الذي لا يجوز تأويل العبارة : إما بجعل اسم المعنى في تأويل المشتق الدال على الذات ومعنى قائم بها أو واقع عليها ، وإما بتقدير مضاف يدل على الذات - وهو ذو التي بمعنى صاحب - وإذا علمت هذا فاعلم أن النحاة منعوا النعت بالمصدر رجوعا إلى العلة التي ذكرناها في أول هذا الكلام ، فأما الرجوع إلى السماع عن العرب فإنا نجد في كلامهم استعمال المصدر نعتا كثيرا ، ولهذا تجد ابن مالك يقول في الألفية : * ونعتوا بمصدر كثيرا * وباستقراء كلام العرب تتبين لنا ظاهرتان : أما -