ابن هشام الأنصاري

229

أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك

. . . . .

--> - واختلف هؤلاء في مرجع الضمير المستتر وجوبا في أفعل على أنه فاعل ، فذهب ابن كيسان - وهو من نحاة الكوفة - إلى أن الضمير يعود إلى مصدر الفعل ، وكأن الذي يقول : ( أحسن بزيد ) قد قال : أحسن يا أيها الحسن بزيد ، ولكون هذا الضمير عائدا على المصدر لم يقع مثنى ولا مجموعا لأن المصدر لا يثنى ولا يجمع ، وقال بقية القوم : الضمير للمخاطب الذي يوجه إليه الكلام لاستدعاء التعجب منه ، واعتذروا عن التزام إفراد الضمير مع أن المخاطب قد يكون مؤنثا وقد يكون مثنى أو مجموعا - بأنه كلام جرى مجرى المثل ، وقد عرف أن الأمثال لا تغير ، وقد استحسن ابن طلحة من هذه الأقوال قول ابن كيسان ، ورجح قوم من العلماء مذهب البصريين ، ورجح قوم مذهب الكوفيين . فأما الذين رجحوا مذهب البصريين فمنهم ابن مالك ، وقد رجحته بإبطال مذهب الفراء - وهو من نحاة الكوفة - ومن وافقه على أن أفعل في نحو قولك ( أحسن بزيد ) فعل أمر ، وخلاصة ما ذكره ابن مالك وغيره من وجود إبطال هذا المذهب أنه يلزم عليه محظور من خمسة وجوه : الأول : أنه لو كان فعل أمر حقيقة كما يقولون لوجب فيه ما يجب في جميع أفعال الأمر ، من استتار فاعله وجوبا إذا كان مفردا مذكرا وبروزه فيما عدا ذلك ، أفلست ترى أنا نقول : اضرب يا زيد ، فيكون فاعل اضرب ضميرا مستترا وجوبا لأنه مفرد مذكر ، فإذا أمرنا المفردة قلنا اضربي ، وإذا أمرنا اثنين قلنا اضربا ، وإذا أمرنا جمعا قلنا اضربوا ، أو اضربن . فيبرز الضمير في كل هذه الصور ، وفعل التعجب هذا لا يبرز معه ضمير أصلا ، فلا يكون جاريا على منهج الأمر . الثاني : أنه لو كان فعل أمر لم يكن المتكلم به متعجبا ، بل يكون آمرا غيره بالتعجب كما أن الذي يأمر غيره بالحلف فيقول له احلف لا يكون حالفا ، وقد انعقد الإجماع على أن المتكلم بهذا الفعل يكون متعجبا ، فلا يكون هذا الفعل فعل أمر لأنه على خلاف مدلول فعل الأمر . الثالث : أنه لو كان فعل أمر لجاز أن يقع جوابه مقترنا بالفاء كما يجوز ذلك في قولك اصبر فتدرك مرادك ، وقد صرحوا بأنه لا يجوز لك أن تقول : أحسن بزيد فيحسن إليك ، وأنت تريد بصدد كلامك التعجب . الرابع : أنه لو كان فعل أمر لما جاز أن يتصل بباء التعدية الواقعة بعده ضمير -