محمد الريشهري
46
ميزان الحكمة
ومن الوساطة : كون بعضهم فوق بعض مقاماً وأمر العالي منهم السافل بشيءٍ من التدبير ؛ فإنّه في الحقيقة توسّط من المتبوع بينه تعالى وبين تابعه في إيصال أمر اللَّه تعالى ، كتوسّط ملك الموت في أمر بعض أعوانه بقبض روح من الأرواح ، قال تعالى حاكياً عن الملائكة : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 1 » ، وقال : مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ « 2 » ، وقال : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ . « 3 » ولا ينافي هذا الذي ذكر - من توسّطهم بينه تعالى وبين الحوادث ؛ أعني كونهم أسباباً تستند إليها الحوادث - استناد الحوادث إلى أسبابها القريبة المادّية ؛ فإنّ السببيّة طوليّة لا عرضيّة ؛ أي إنّ السبب القريب سبب للحادث ، والسبب البعيد سبب للسبب . كما لا ينافي توسّطهم واستناد الحوادث إليهم استناد الحوادث إليه تعالى وكونه هو السبب الوحيد لها جميعاً على
--> ( 1 ) . الصافّات : 164 . ( 2 ) . التكوير : 21 . ( 3 ) . سبأ : 23 .