عمر بن مسعود بن ساعد المنذري

157

كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية

حتى يتمكن ذلك المعنى من نفسه وتظهر إشارة وتغلب قوّته عليه وذلك هو الحال المشار إليه عند العارفين حقيقتهما قوّة عظيمة يجدها الشخص في نفسه عند ذلك بحسب المعنى المستشعر فإن كان للقهر وجد من نفسه قوّة على مصادمة جميع الكائنات وقهرها بحيث لو عرضت له في تلك الحالة الأسود والجيوش العظيمة لقدم عليها ولم يحل عنها . وإن كانت تلك القوّة للمحبّة والشوق وجد من نفسه قدرة عظيمة على الجذب والاتصال بالأشياء النازحة عنه بتمكّن هاتين القوّتين ومواظبتهم على أيتهما أرادوا حتى تصير ملكة لهم يتوصّلون إلى التصرّف بها في عالم الكون بما يشاءون فإذا تمكنت تلك الحالة في نفس العارف فإن كانت للقهر سلّطها على مدافعة القوى الجسمانية واستعان على ذلك بالدّوران على مركز نفسه والنفس في خلل ذلك متطلّعة على عللها متأمّلة لما يرد عليها من تلقائه فتتجرّد عند ذلك النفس عن الجسم بعض التجرّد وتنسلخ عنه انسلاخا بما يحدث لها من استغراق يسري في الأمر الموجّه إليه فيرد عليه من الأنوار العالية وارد شبه البرق لذيذ جدّا يلمع وينطوي بقدر تمكّن الحال من النفس . وإن كانت تلك الحال للمحبّة صرف شوقه وقوّته وجذبه إلى العالم العلويّ وقلّ التفاته إلى ما وراه من القوّة الجسمانيّة وعالمها وانحسّت عنه وصعد هو بذاته لتجرّدها وانسلاخها عن الجسم وورد عليه الوارد النوريّ بلذّة عظيمة تناسب حاله ولا يزال يستدعي تلك الحال التي سلكها واعتمد عليها في توجّهه حتى يصير ملكة بحيث لا يحتاج إلى استدعائها ويستغرق فكره في ذلك الوارد ويصير مستقرا معه لا يحط ذهنه ويعدم الالتفات إلى عالم الحسّيّ جملة . ويصير في هذا المقام عقله المستفاد عقلا فعالا ويرى ذاته كأنّها كليّة بالنّسبة إلى ما تحتها ويكون شبيها بالأجسام السّماويّة في عدمها للحواسّ وإقبالها على تأمّل نور اللّه تعالى فاعلم يا أخي هذا الفصل وتأمّله بعقلك وذهنك وتدبر معانيه تصل إلى معانيه لأنّه أصل هذا الكتاب وأسّه فالحروف في عالم الكون لها في تجريد النفس آثار عظيمة لا يقوم فيها مقامها غيرها والعارف بأسرارها إذا توجّه بكلّ حرف منها في الشيء الذي يناسبه حتّى يمتحي عن فكره شكل الحرف وصورته الجسمانيّة وتبدو له صورة الروحانيّة فحينئذ تظهر له خاصيّة ذلك الحرف فإذا ردّدها المردّد بقلبه ولسانه المرات الكثيرة أحدثت في النفس قوّة عزّ وقهر أو بسط وجذب واللّه تعالى المستعان .