أبو ريحان البيروني

73

القانون المسعودي

فهذا قول خواصهم في اللّه تعالى سبحانه ويسمونه ايشفر أي المستغني الجواد الذي يعطي ولا يأخذ ، لأنهم رأوا وحدته في المحضة ووحدة ما سواه بوجه من الوجوه متكثرة ، ورأوا وجوده حقيقيا لأن قوام الموجودات به ، ولا يمتنع توهم ليس فيها مع أيس فيه ، كما يمتنع توهم ليس فيه مع أيس فيها . ثم إن تجاوزنا طبقة الخواص من الهند إلى عوامهم اختلفت الأقاويل عندهم ، وربما سمجت كما يوجد مثله في سائر الملل ، بل وفي الإسلام ، من التشبيه والإجبار وتحريم النظر في شيء وأمثال ذلك . مثاله أن بعض خواصهم يسمي اللّه تعالى نقطة ليبرئه بها عن صفات الأجسام ، ثم يطالع ذلك عاميهم فيظن أنه عظمة بالتصغير ، ولا يبلغ به فهمه إلى تحقيق النقطة فيتجاوز سماجة التشبيه والتحديد بالتعظيم إلى قوله إنه بطول اثني عشر إصبعا في عرض عشر أصابع ، تعالى عن التحديد والتعديد . ومثل ما حكيناه من إحاطته بالكل حتى لا يخفى عليه خافية فيظن عاميهم أن الإحاطة تكون بالبصر والبصر بالعين والعينان أفضل من العور فيصفه بألف عين عبارة عن كمال العلم ، وأمثال هذه الخرافات الشنعة عندهم موجودة وخاصة في الطبقات التي لم يسوغ لهم تعاطي العلم على ما يجيء ذكرهم في موضعه . النموذج الثاني من الباب السادس عشر " في ذكر معارف من خطوطهم وحسابهم وغيره وشيء مما يستبدع من رسومهم " . إن اللسان مترجم للسامع عما يريده القائل فلذلك قصر على راهن الزمان الشبيه بالآن ، وأنى كان يتيسر نقل الخبر من ماضي الزمان إلى مستأنفه على الألسنة وخاصة عند تطاول الأزمنة لولا ما أنتجته قوة النطق في الإنسان من إبداع الخط الذي يسري في الأمكنة سريان الرياح ومن الأزمنة إلى الأزمنة سريان الأرواح فسبحان متقن الخلق ومصلح أمور الخلق . وليس للهند عادة بالكتابة على الجلود كاليونانيين في القديم . فقد قال سقراط حين سئل عن تركه تصنيف الكتب : لست بناقل العلم من قلوب البشر الحية إلى جلود الضأن الميتة . وكذلك كانوا في أوائل الإسلام يكتبون على الأدم كعهد الخيبريين من اليهود وككتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى كسرى ، وكما كتبت مصاحف القرآن في جلود الظباء والتوراة تكتب فيها أيضا . فقوله تعالى تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ أي طوامير ، فإن القرطاس معمول بمصر من لب البردي يبري في لحمه . وعليه