أبو ريحان البيروني
72
القانون المسعودي
قال المجيب : تسميته تثبيت إنيته فالخبر لا يكون إلا عن شيء والاسم لا يكون إلا لمسمى ، وهو إن غاب عن الحواس فلم تدركه عقلته النفس وأحاطت بصفاته الفكرة ، وهذه هي عبادته الخالصة ، وبالمواظبة عليها ينال السعادة ؛ فهذا كلامهم في هذا الكتاب المشهور . وفي كتاب گيتى ، وهو جزء من كتاب بهارث ، فيما جرى بين باسديو وبين أرجن ، أني أنا الكل من غير مبدأ بولادة ومنتهى بوفاة ، لا أقصد بفعلي مكافأة ولا أختص بطبقة دون أخرى لصداقة أو عداوة ، قد أعطيت كلا من خلقي حاجته في فعله ، فمن عرفني بهذه الصفة وتشبه في إبعاد الطمع عن العمل انحل وثاقه وسهل عتاقه وخلاصه . وهذا كما قيل في حد الفلسفة أنها التقيل ( التعقل ) باللّه ما أمكن ، وقال في هذا الكتاب : أكثر الناس يلجئهم الطمع في الحاجات إلى اللّه ، وإذا حققت الأمر لديهم وجدتهم من معرفته في مكان سحيق ، لأن اللّه ليس بظاهر لكل أحد يدركه بحواسه فلذلك جهلوه ، فمنهم من لم يتجاوز فيه المحسوسات ومنهم من إذا تجاوزها وقف عند المطبوعات ، ولم يعرفوا أن فوقها من لم يلد ولم يولد ولم يحط بعين ، إنيته علم أحد وهو المحيط بكل شيء علما . ويختلف كلام الهند في معنى الفعل ، فمن أضافه إليه كان من جهة السبب الأعم ، لأن قوام الفاعلين إذا كان به كان هو سبب فعلهم فهو فعله بواسطتهم ، ومن أضافه إلى غيره فمن جهة الوجود الأدنى . وفي كتاب سانك قال الناسك : هل اختلف في الفعل والفاعل أم لا ؟ قال الحكيم : قد قال قوم إن النفس غير فاعلة والمادة غير حية فاللّه المستغني هو الذي يجمع بينهما ويفرق فهو الفاعل ، والفعل واقع من جهته بتحريكهما كما يحرك الحي القادر الموات العاجز . وقال آخرون إن اجتماعهما بالطباع فهكذا جرت العادة في كل ناش بال . وقال آخرون الفاعل هو النفس لأن في ييذ أن كل موجود فهو من يورش . وقال آخرون الفاعل هو الزمان فإن العالم مربوط به رباط الشاة بحبل مشدود بها حتى تكون حركتها بحسب انجذابه واسترخائه . وقال آخرون ليس الفعل سوى المكافأة على العمل المتقدم . وكل هذه الآراء منحرفة على الصواب ، وإنما الحق فيه أن الفعل كله للمادة لأنها هي التي تربط وتردد في الصور وتخلى ، فهي الفاعلة وسائر ما تحتها أعوان لها على إكمال الفعل ، والخلو النفس عن القوى المختلفة هي غير فاعلة .