أبو ريحان البيروني

71

القانون المسعودي

المعقول ويقصد التحقيق في الأصول ، وطباع العامة يقف عند المحسوس ويقنع بالفروع ولا يروم التدقيق وخاصة فيما افتنت فيه الآراء ولم يتفق عليه الأهواء . واعتقاد الهند في اللّه سبحانه أنه الواحد الأزلي من غير ابتداء ولا انتهاء . المختار في فعله ، القادر الحكيم الحي المحيي المدبر المبقي الفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد ، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء . ولنورد في ذلك شيئا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشئ المسموع فقط . قال السائل في كتاب باتنجل : من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته ؟ قال المجيب : هو المستغني بأزليته ووحدانيته عن فعل لمكافأة عليه براحة تؤمل أو ترتجى ، أو شدة تخاف وتتقي ، والبريء عن الأفكار لتعاليه في الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة . والعالم بذاته سرمدا إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم وليس الجهل بمتجه عليه في وقت ما أو حال . ثم يقول السائل بعد ذلك : فهل له من الصفات غير ما ذكرت ؟ ويقول المجيب : له العلو التام في القدر لا المكان فإنه يجل عن التمكن ، وهو الخير المحض التام الذي يشتاقه كل موجود ، وهو العلم الخالص عن دنس السهو والجهل . قال السائل : أفتصفه بالكلام أم لا ؟ قال المجيب : إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم . قال السائل : فإن كان متكلما لأجل علمه فما الفرق بينه وبين العلماء الحكماء الذين تكلموا من أجل علومهم ؟ قال المجيب : الفرق بينهم هو الزمان ، فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين ، ونقلوا علومهم إلى غيرهم . فكلامهم وإفادتهم في زمان ، وإذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتصال فاللّه سبحانه عالم متكلم في الأزل ، وهو الذي كلم براهم وغيره من الأوائل على أنحاء شتى ، فمنهم من ألقى إليه كتابا ، ومنهم من فتح لواسطة إليه بابا ، ومنهم من أوحى إليه فنال بالفكر ما أفاض عليه . قال السائل : فمن أين له هذا العلم ؟ قال المجيب : علمه على حاله في الأزل ، وإذ لم يجهل قط فذاته عالمة لم تكتسب علما لم يكن له ، كما قال في بيذ الذي أنزله على براهم : " احمدوا وامدحوا من تكلم ببيذ وكان قبل بيذ " . قال السائل : كيف تعبد من لم يلحقه الإحساس ؟