أبو ريحان البيروني

42

القانون المسعودي

فعند ما تناول موضوع ميل محور الأرض ، بدأه بذكر العلاقة بينه وبين ارتفاعات الشمس عند المنقلبين الصيفي والشتوي . ثم أردف ذلك بوصف للجهاز المستخدم في هذه الأرصاد مقارنا في ذلك بين آلة بطليموس والآلة التي استعملها العرب ومشيرا إلى الحاجة إلى تكبير حجم الحلقة الدائرية المدرّجة حتى يمكن تقسيمها إلى أكبر عدد من الأقسام فيكون قياس ارتفاع الشمس بها أقرب إلى الدقة مما لو كانت صغيرة الحجم وأوضح من ناحية أخرى أن تكبير حجمها يؤدي إلى زيادة ضغط أجزائها بعضها على البعض مما ينتج عنه تغير شكلها وانحرافه عن دائرة ، وكيف تغلب القدماء على تلك الصعوبات ببناء حائط رأسي واستعاضتهم عن الحلقة برسم دائرة على ذلك الحائط . وكعادة البيروني في الإشارة إلى أعمال الآخرين ، جمع النتائج التي توصل إليها علماء الفلك في الهند واليونان والمعاصرون له من العرب وكيف أن هذه النتائج قد اختلفت فيما بينهم . وهو في تسجيله لهذه النتائج أعطى كل ذي حق حقه ، حتى ولو كان عن طريق السماع وفي ذلك يقول : " وكعمل أبي محمود الخجندي بالري ، فإنه أوجبها دقيقتين وإحدى وعشرين ثانية ، وقد اعترف لي صاحبه شفاها بفساد الآلة في أحد المنقلبين " . ولم يطمئن البيروني لهذا الاختلاف فقرر أن يقوم بإرصاده الخاصة ، وكرر ذلك أربع مرات أولها قبل عام 387 ه أي قبل أن يبلغ الخامسة والعشرين من عمره ثم اضطر إلى الهجرة بعيدا عن بلاده ولما عاد إليها بعد حوالي خمسة عشر عاما أعاد تلك الأرصاد عام 407 ه ولم يلبث أن انتقل إلى غزنة مع السلطان محمود بن مسعود حيث أعاد الرصد للمرتين الثالثة والرابعة عامي 410 ، 411 ه . شاب لم يجاوز الخامسة والعشرين من عمره ، أقلق باله تضارب النتائج الفلكية لصفوة العلماء فقرر أن يصنع آلته الخاصة ويقوم بإرصاد تقضي على حيرته في اختيار القيمة الحقيقية التي يبني الاعتماد عليها في أعماله الفلكية ، ثم لا يكتفي بالرصد مرة واحدة بل يكرره مثنى وثلاث ورباع دون أن تصرفه الحوادث والحروب عن عزمه ولو بعد عشرات السنين فنراه يقول في كتاب تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن عن رصد هذا الميل : " وأما أنا فعلى حرصي الشديد على هذه المقاصد ، وإيثاري إياها على سائر المطالب ، كأني ممنوع عن إثارتها ، غير منتفع بالإمكان والاقتدار فيها . وقد كنت أزمعت تولي الأرصاد في سنتي أربع وخمس وثمانين وثلاثمائة للهجرة ، وهيأت لها دائرة قطرها خمس عشرة ذراعا مع سائر ما يتبعه . . . وردف هذا اليوم من