أبو ريحان البيروني
28
القانون المسعودي
الكمية بعضها إلى بعض ، وأنها هي التي تتوصل بها لمعرفة مقدار كل ما نحتاج إليه من مزروع ومكيل وموزون ما بين مركز العالم وبين أقصى محسوس عنه ، وعرفت أن بها تعقل الصور مجردة عن المواد ويتصور حقيقة البرهان تصور انطباع حتى لا يذهب على القيم بها ما يذهب على كثير من المحصلين في المنطق مهما لزم مسلك صناعته ، ثم نرتقي بوساطة التدرب بها من المعالم الطبيعية إلى المعالم الإلهية ، التي تمتنع لغموض معانيها وصعوبة مآخذها ودقة طرائقها وجلالة أمرها وبعد تصورها عن أن ينقاد لكل أحد أو يدركها من عدل عن سنن البرهان لما عدلتني عن ذلك . وذلك أن يفعل إذا لم يقنع في المطلوب بالطريق الموصل إليه دون تضييع الزمان في طلب طرق أخر إليه ثم لم يسفر في آخر الأمر عن نتائج هي عمدة علم الهيئة ، فأما كثرة الطرق فسبب جمعي إياها تدريب المتعلم بتنوعها ثم اتحادها ، ولأنها كانت لي في الغربة مؤنسة ولأسامر من فارقتهم من الأصدقاء مذكرة ، وقد أثبتها لك لتتأملها وتعرف كيف ما آل جميعها إلى النكتة الواحدة وما تثمره الفوائد في العاقبة فبتمهد عذري لديك فيما حمت حوله من عذلي ، ورب لائم مليم ، وما التوفيق إلا من عند اللّه . حساب المثلثات عرف هذا العلم قبل البيروني ، وعن الإغريق عرف العرب وتر ضعف الزاوية كمقياس لها ، وعن الهنود نصف هذا الوتر ، وكان يسميه الهنود " جيبا " أي وتر ، وقد استحسن العرب لفظ الجيب ومعناه فتحة الجلباب لقربه من اللفظ السنسكريتي " جيفا " ، فأطلقوا على نصف وتر ضعف الزاوية اسم الجيب . ويقول البيروني ما نصه " 1 " " إن هذه الصناعة إذا أريد إخراجها إلى الفعل بمزاولة الحساب فيها فالأعداد مفتقرة إلى معرفة أوتار قسي الدوائر ، فلذلك سمى أهلها كتبها العلمية زيجات من الزيق الذي هو بالفارسية زه ، أعني الوتر ، وسموا أنصاف الأوتار جيوبا ، وإن كان اسم الوتر بالهندية جيبا ونصفه جيبارد ، ولكن الهند إذا لم يستعملوا غير أنصاف الأوتار أوقعوا اسم الكل على النصف تخفيفا في اللفظ . . الخ " . قاس البيروني أطوال أوتار الأقواس التالية : محيط الدائرة وعبر عن هذه
--> ( 1 ) المقالة الثالثة من القانون المسعودي .