أبو ريحان البيروني
111
القانون المسعودي
فقد قلنا إن لا أثر للحركة الأولى في الأثير لأنها تدير جملته إدارة واحدة فليس يحسن من مناهج التحصيل أن يتمسك به إن انتقض من جهات أخر أو أن يمهل البحث عن حقيقته ولم يخرج الأمر فيه من طريقته ، فأما بطليموس فإنه استجهل القائلين بها عن جهة حملهم سرعة الحركة على الأشياء الثقيلة الكثيفة وبطؤها أو بطلانها على الأشياء الخفيفة اللطيفة ، وهذا استدلال هو بالبحث الطبيعي أليق منه بالتعليمي بل هو إقناعي فإن في اللطيف والكثيف إلى أن يحصل منهما على حقيقة معنى ما فيها وأرسطوطاليس وأصحابه وهم فحول الفلاسفة الطبيعيين يأبون حمل شيء من معنى الخفّة والثقل على الأثير ، وقد أجاب بعضهم عن سؤال سائل إياه عن قطعة من الأثير إن توهمت موضوعة على وجه الأرض بأنها تسكن ولا تتحرك على ضد حال المتحركات على استقامة وتحركها نحو أحيازها ومواضعها الطبيعية إذا أخرجت عنها إلى غيرها ، فأوجب اللطيف الخفيف عند بطليموس ما كان تعجب منه من عدم الحركة . وأما النظر التعليمي في هذا المعنى فإن القول فيه راجع إلى أن الأرض لو كانت متحركة بهذه الحركة لتخلف عنها ما انحاز منها من طائر محلّق أو شيء مرميّ به نحو جو السماء أو سحاب واقف في الهواء فترى حركتها نحو المغرب دائما وإن كانت لها أيضا هذه الحركة كما للأرض وجب أن يرى ساكنا من أجل حركتهما على التحاذي ، لكنا نراها متحركة في جميع الجهات فليست ولا هي بمتحركة هذه الحركة التي بها الليل والنهار . وأما أنا فقد شاهدت أحد من مال إلى نصرة هذا الرأي من المبرزين في علم الهيئة لم يلتزم نزول الثقيل إلى الأرض على القطر عمودا على وجهها بل محرّفا على زوايا مختلفة لا نضبط فيه ولا نحفظ غير المسامتة لأن الرجل رأى للثقيل المنفصل عن الأرض حركتين : إحداهما : دورية لما في طبيعة الجزء من ثقيل الكل في خواصّه ، والأخرى مستقيمة لانجذابه إلى معدنه ، فالثقيل إذا انفصل عن الأرض تحرّك بأولاهما حركة توجب في الهواء لزوم المسامتة الواجبة ، وأما الثانية : المستقيمة فتوجب لو تجردت وقوعه عن غرب المسامتة أبدا ، لكن هويه مركب منهما فلذلك لا ينحرف عن المسامتة ، والخط الذي ينزل عليه ليس بعمود على الأرض بالحقيقة بل مائل نحو المشرق وليس رسمه في الهواء محفوظا ، وللحسّ مستبينا ثابتا حتى يعتبر قيامه أو ميله ، وإنما يتخيل له القيام من أجل ما ثبت في الوهم من صورة مسامتة ، ولهذا من اعتقاد قوم له وإيرادهم فيه الشبهة أرى تقديم معرفة مقدار دور الأرض عليه فأقول إن الإبعاد الأرضيّة إذا كانت كما قلنا مشابهة