السيد علي عاشور

60

موسوعة أهل البيت ( ع )

ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر ، ولا يستخفّ بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم وتخصيصه أبا بكر بإخراجه مع نفسه دونهم . ولمّا قال : أخبرني عن الصدّيق والفاروق أسلما طوعا أو كرها لم لم تقل له : بل أسلما طمعا لأنّهما كانا يجالسان اليهود ويستخبرانهم عمّا كانوا يجدون في التوراة وسائر الكتب المتقدّمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصة محمّد ومن عواقب أمره ؟ فكانت اليهود تذكر أنّ محمّدا يسلّط على العرب كما كان بخت نصر سلّط على بني إسرائيل ، ولا بدّ له من الظفر على العرب كما ظفر بخت نصر ببني إسرائيل ، غير أنّه كاذب في دعواه وأنّ هذا نبي . فأتيا محمّدا فساعداه على قول شهادة أن لا إله إلّا اللّه ، وبايعاه طمعا في أن ينال كلّ منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت أموره واستتبت أحواله ، فلما أيسا من ذلك تلثما وصعدا العقبة مع عدّة من أمثالهما من المنافقين بغية أن يقتلوه ، فدفع اللّه كيدهم وردّهم بغيظهم لم ينالوا خيرا ، كما أتى طلحة والزبير عليا فبايعاه ، وطمع كلّ واحد منهما أن ينال من جهته ولاية بلد ، فلمّا أيسا نكثا بيعته وخرجا عليه ، فصرع اللّه كلّ واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين . قال : ثمّ قال مولانا الحسن بن علي الهادي عليه السّلام إلى الصلاة مع الغلام فانصرفت عنهما وطلبت أثر أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا . فقلت : ما أبطأك وأبكاك ؟ قال : قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره . فقلت : لا عليك فأخبره ، فدخل عليه مسرعا وانصرف من عنده متبسما وهو يصلّي على محمّد وآل محمّد ، فقلت : ما الخبر ؟ قال : وجدت الثوب مبسوطا تحت قدميّ مولانا عليه السّلام يصلّي عليه . قال سعد : فحمدنا اللّه جل ذكره على ذلك ، وجعلنا نختلف بعد ذلك إلى منزل مولانا أيّاما فلا نرى الغلام بين يديه فلمّا كان يوم الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا وانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما وقال : يا بن رسول اللّه قد دنت الرحلة واشتدّت المحنة ونحن نسأل اللّه أن يصلّي على المصطفى جدّك وعلى المرتضى أبيك وعلى سيّدة النساء أمّك وعلى سيدي شباب أهل الجنّة عمّك وأبيك وعلى الأئمّة الطاهرين من بعدهما آبائك ، وأن يصلّي عليك وعلى ولدك ، ونرغب إلى اللّه أن يعلّي كعبك ويكبت عدوّك ، ولا جعل اللّه هذا آخر عهدنا من لقائك . قال : فلمّا قال هذه الكلمة استعبر مولانا حتّى استهلت دموعه وتقاطرت عبراته ثمّ قال : يا بن إسحاق لا تكلّف في دعائك شططا فإنّك ملاقي اللّه في سفرك هذا ، فخرّ أحمد مغشيا عليه فلمّا أفاق قال : سألتك باللّه وبحرمة جدّك إلّا شرّفتني بخرقة أجعلها كفنا ، فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما فقال عليه السّلام : خذها ولا تنفق على نفسك غيرها فإنك لن تعدم ما سألت ، وإنّ اللّه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا . قال سعد : فلمّا صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حلوان على ثلاثة فراسخ حمّ أحمد بن إسحاق وصارت عليه علّة صعبة آيس من حياته فيها ، فلمّا وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطنا بها ، ثمّ قال : تفرّقوا عنّي هذه الليلة واتركوني