السيد علي عاشور
59
موسوعة أهل البيت ( ع )
الكبر ، واجعله لي وارثا ووصيّا واجعل محلّه منّي محلّ الحسين ، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه ثمّ افجعني به كما تفجع محمّدا حبيبك بولده ، فرزقه اللّه يحيى وفجعه به ، وكان حمل يحيى ستّة أشهر وحمل الحسين كذلك وله قصّة طويلة . قلت : فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم ؟ قال : مصلح أو مفسد ؟ قلت : مصلح . قال : فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟ قلت : بلى . قال : فهي العلّة أوردتها لك ببرهان يثق به عقلك ، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه وأنزل الكتب عليهم وأيّدهم بالوحي والعصمة ، وهم أعلى الأمم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى ، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمن ؟ قلت : لا . قال عليه السّلام : فهذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين ، قال اللّه عزّ وجلّ وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا إلى قوله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ بظلمهم « 1 » فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح ويظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد ، علمنا أن لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور وتكنّ الضمائر وتتصرّف عليه السرائر ، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح . ثمّ قال مولانا : يا سعد وحين ادّعى خصمك أنّ رسول اللّه ما أخرج مع نفسه مختار هذه الامّة إلى الغار إلّا علما منه أنّ الخلافة له من بعده ، وأنّه هو المقلّد لأمور التأويل والملقى إليه أزمة الامّة ، المعول عليه في لمّ الشعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود ، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر ، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته ؛ إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه ، وإنّما أبات عليا على فراشه لما لم يكن يكترث له ولا يحفل به ، ولاستثقاله إيّاه وعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها ؛ فهلا نقضت عليه دعواه بقولك : أليس قال رسول اللّه : الخلافة بعدي ثلاثون سنة فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم ، وكان لا يجد بدّا من قوله : بلى ، فكنت تقول له حينئذ : أليس كما علم رسول اللّه أنّ الخلافة بعده لأبي بكر علم أنّها من بعد أبي بكر لعمر ومن بعد عمر لعثمان ومن بعد عثمان لعلي ، فكان أيضا لا يجد بدا من قوله لك : نعم ، ثمّ كنت تقول له : فكان الواجب على رسول اللّه أن يخرجهم جميعا على الترتيب إلى الغار « 2 »
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 155 . ( 2 ) بتوضيح تأخير هجرة عمر وعثمان وإلّا فإنّهما هاجرا قبل رسول اللّه إلى المدينة .