السيد علي عاشور
58
موسوعة أهل البيت ( ع )
معنى الطلاق الذي فوض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حكمه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام قال عجّل اللّه فرجه : إنّ اللّه تبارك وتعالى عظّم شأن نساء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فخصّهن بشرف الامّهات ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا أبا الحسن إنّ هذا الشرف باق لهنّ ما دمن للّه على الطاعة ، فأيّهنّ عصت اللّه بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج وأسقطها من شرف أمومة المؤمنين . قلت : فأخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا أتت المرأة بها في أيّام عدّتها حلّ للزوج أن يخرجها من بيته ؟ قال : الفاحشة المبينة هي السحق دون الزنا ، فإنّ المرأة إذا زنت وأقيم عليها الحدّ ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحدّ ، وإذا سحقت وجب عليها الرجم والرجم خزي ، ومن قد أمر اللّه عزّ وجلّ برجمه فقد أخزاه ، ومن أخزاه فقد أبعده فليس لأحد أن يقرّبه . قلت : فأخبرني يا بن رسول اللّه عن أمر اللّه تبارك وتعالى لنبيّه موسى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً « 1 » فإنّ فقهاء الفريقين يزعمون أنّها كانت من إهاب الميتة . فقال عليه السّلام : من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوّته ؛ لأنّه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين ؛ إمّا أن تكون صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة ، فإن كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة ، وإن كانت مقدّسة مطهّرة فليست بأقدس وأطهر من الصلاة ، وإن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب على موسى أنه لم يعرف الحلال من الحرام ، وعلم ما تجوز فيه الصلاة وما لم تجز وهذا كفر . قلت : فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما ؟ قال : إنّ موسى ناجى ربّه بالوادي المقدّس فقال : يا ربّ إنّي قد أخلصت لك المحبّة منّي وغسلت قلبي عمّن سواك ، وكان شديد الحبّ لأهله فقال اللّه تعالى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي إنزع حبّ أهلك عن قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة ، وقلبك من الميل من سواي مغسولا . قلت : فأخبرني يا بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن تأويل كهيعص « 2 » ؟ قال : هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع اللّه عليها عبده زكريا ثمّ قصّها على محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وذلك أنّ زكريا سأل ربّه أن يعلّمه الأسماء الخمسة ، فأهبط عليه جبرائيل فعلّمه إيّاها فكان زكريا إذا ذكر محمّدا وعليا وفاطمة والحسن سرى عنه همّه وانجلى كربه ، وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة ، فقال ذات يوم : إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين عليه السّلام تدمع عيني وتثور زفرتي ؟ فأنبأه اللّه تعالى عن قصّته وقال كهيعص فالكاف اسم كربلاء ، والهاء هلاك العترة ، والياء يزيد وهو ظالم الحسين ، والعين عطشه ، والصاد صبره ، فلمّا سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ومنع فيها الناس من الدخول عليه ، وأقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته : إلهي أتفجع خير خلقك بولده ، أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه ، أتلبس عليا وفاطمة ثياب هذه المصيبة ، إلهي أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما ، ثمّ كان يقول : إلهي ارزقني ولدا تقرّ به عيني عند
--> ( 1 ) سورة طه ، الآية : 12 . ( 2 ) سورة مريم ، الآية : 1 .