السيد علي عاشور

56

موسوعة أهل البيت ( ع )

استدعاء المساعدة من أحد استبان لنا قصد رسول اللّه بأبي بكر إلى الغار للعلّة التي شرحناها ، وإنّما أبات عليا على فراشه لما لم يكن ليكترث له ولم يحفل به ولاستثقاله ، ولعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها . قال سعد : فأوردت عليه أجوبة شتّى فما زال يقصد كلّ واحد منها بالنقض والردّ علي ثمّ قال : يا سعد دونكها أخرى بمثلها تحطّم آناف الروافض ، ألستم تزعمون أنّ الصدّيق المبرأ من دنس الشكوك ، والفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق واستدللتم بليلة العقبة ، أخبرني عن الصدّيق أسلم طوعا أو كرها . قال سعد : فاحتملت لدفع هذه المسألة عنّي خوفا من الإلزام وحذرا منّي إن أقررت لهما بطواعيتهما ، والإسلام احتج بأن بدوّ النفاق ونشوؤه في القلب لا يكون إلّا عند هبوب روائح القهر والغلبة وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد له قلبه نحو قول اللّه عزّ وجلّ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا « 1 » . وإن قلت : أسلما كرها كان يقصدني بالطعن ؛ إذ لم يكن ثم سيوف منتضاة كانت تريهما البأس . قال سعد : فصددت منه مزورا قد انتفخت أحشائي من الغضب ، وتقطّع كبدي من الكرب وكنت قد اتخذت طومارا وأثبتّ فيه نيفا وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن أسأل فيها خير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد عليه السّلام ، فارتحلت خلفه وقد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسرّ من رأى ، فلحقته في بعض المناهل فلمّا تصافحنا قال : لخير لحاقك بي . قلت : الشوق ثمّ العادة في الأسئلة . قال : قد تكافينا هذه اللحظة الواحدة فقد برح بي العزم إلى لقاء مولانا أبي محمد ، وأريد أن أسأله عن معاضل في التأويل ومشاكل من التنزيل ، فدونكها الصحبة المباركة فإنّها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه وهو إمامنا ، فوردنا سر من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا فاستأذن فخرج الإذن بالدخول عليه وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبري فيه ستّون ومائة صرّة من الدنانير والدراهم ، على كلّ صرّة منها ختم صاحبها . قال سعد : فما شبهت مولانا أبا محمد حين غشينا نور وجهه إلّا بدرا قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر ، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر وعلى رأسه فرق بيّن وقرطين كأنّه ألف بين واوين ، وبين يدي مولانا رمانة ذهبية تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركبة عليها قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة ، وبيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض قبض الغلام على أصابعه فكان مولانا يدحرج الرمانة بين يديه ويشغله بردّها لئلّا يصدّه عن كتبه ما أراد ، فسلّمنا فألطف في الجواب وأومى إلينا بالجلوس ، فلمّا فرغ من كتبة البياض الذي

--> ( 1 ) سورة غافر : 85 .