السيد علي عاشور

39

موسوعة أهل البيت ( ع )

من النار . ونقل أنّه كانت له غيبة أخرى حين هاجر إلى الشام . وكذا ورد أنّ لموسى غيبة أخرى في التيه . وغيبة يونس بن متى حين التقطه الحوت . وكذا غاب سليمان حين أخذ الماء خاتمه . ونقل بعض أهل التواريخ أنّ مريم هربت بعيسى عن اليهود إلى مصر اثنتي عشرة سنة « 1 » . وفي نهج المحجّة روي عن الصادق عليه السّلام : غيبة إلياس في الجبل عن الملك أجب سبع سنين إلى أن رفعه اللّه إليه واستخلف اليسع على بني إسرائيل « 2 » . الرابع : غيبة يوسف عليه السّلام فإنّها كانت عشرين سنة ، وكان هو بمصر ويعقوب عليه السّلام بفلسطين وبينهما مسيرة تسعة أيّام فاختلفت الأحوال عليه في غيبته حتّى إنّه روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قدم أعرابي على يوسف يشتري منه طعاما فباعه فلمّا فرغ قال له يوسف : أين منزلك ؟ قال : بموضع كذا . فقال له : إذا مررت بوادي كذا وكذا فقف فناد : يا يعقوب يا يعقوب ، فإنّه سيخرج إليك رجل عظيم جميل جسيم وسيم فقل له : رأيت رجلا بمصر وهو يقرئك السلام ويقول لك : إنّ وديعتك عند اللّه عزّ وجلّ لن تضيع . قال : فمضى الأعرابي حتّى انتهى إلى الموضع فقال لغلمانه : إحفظوا عليّ الإبل ثمّ نادى : يا يعقوب يا يعقوب ، فخرج إليه رجل أعمى طويل جميل يتّقي الحائط بيده حتّى أقبل فقال الرجل : أنت يعقوب ؟ فقال : نعم ، فأبلغه ما قال يوسف ، فسقط مغشيا عليه ثمّ أفاق فقال : يا أعرابي ألك حاجة إلى اللّه تعالى عزّ وجلّ ؟ فقال : نعم ، إنّي رجل كثير المال ولي بنت عمّ وليس لي ولد منها فأحبّ أن تدعو اللّه عزّ وجلّ يرزقني ولدا ، فتوضّأ يعقوب وصلّى ركعتين ثمّ دعا اللّه عزّ وجلّ فرزقه اللّه أربعة أبطن أو قال : ستّة أبطن في كلّ بطن إبنان . وكان يعقوب يعلم أنّ يوسف حيّ لا يموت وأنّ اللّه تعالى ذكره سيظهره له بعد غيبته . والدليل عليه : أنّه لمّا رجع إليه بنوه يبكون قال لهم : يا بني ما لكم تبكون وتدعون بالويل والثبور ؟ وما لي لا أرى فيكم حبيبي يوسف ؟ قالوا : يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنّا صادقين ، وهذا قميصه قد أتيناك به . قال : ألقوه إلي ، فألقوه على وجهه فخرّ مغشيّا عليه ، فلمّا أفاق قال لهم : يا بنيّ ألستم تزعمون أنّ الذئب أكل حبيبي يوسف ؟ قالوا : نعم ، قال : ما لي لا أشمّ ريح لحمه وما لي أراه صحيحا ، هبوا أنّ القميص انكشف من أسفله ، أرأيتم ما كان في منكبه وعنقه كيف خلص عنه الذئب من غير أن يخرقه ؟ إنّ هذا الذئب مكذوب عليه ، وإنّ ابني لمظلوم ، بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون ، فتولّى عنهم ليلتهم تلك لا يكلّمهم وأقبل يرثي يوسف ويقول : حبيبي يوسف الذي كنت أؤثره على جميع أولادي فاختلس منّي ، حبيبي يوسف الذي كنت أرجوه من بين أولادي ، فاختلس

--> ( 1 ) كمال الدين : 137 . ( 2 ) راجع منار الهدى : 632 .