السيد علي عاشور
85
موسوعة أهل البيت ( ع )
عشر ومائتين بعد الألف ، أيّام مسافرتي إلى بيت اللّه الحرام فمضيت إلى سرّ من رأى ، واتّفق لي مصاحبته في تلك البلدة ، فحكى لي عن رجل ناصبي يدعى بسيد علي ، وكان مأمورا هناك من والي بغداد وحكومة العثماني ، وكان حاكما على أهلها - وذلك في سنة خمس ومائتين بعد الألف - ويأخذ من كلّ زائر ريالا للدخول في الروضة المقدّسة ويسوم ساقهم ، ويعلمهم علامة لا يشتبه بغيره بعد ذلك . فبينما ذات يوم هو جالس على سرير له بباب الصحن وبين يديه المأمورون ، وبيده خشبة طويلة يسوق بها الزوّار بعد أخذ الريال منهم وسوم ساقهم إذ أقبل شاب من زوّار العجم ومعه زوجته ، وهم من أهل بيت الشرف والعفّة ، ودفع إليه ريالين فطبع ساقه وأشار إلى زوجته بالطبع فقال الشاب : دع الامرأة وأنا أعطي لكل دخول لها في الروضة المقدّسة ريالا من غير أن يكشف لها ساق ، ولم أرض بهذه الفضيحة ، فصاح عليه الناصبي - السيد علي المذكور - وشتمه بالرفض والعصبية وقال : أتغير عليها يا فلان ؟ فأجابه الشاب باللين والرفق . فصاح ثانيا بأنّه لا يمكن لها الدخول في الحرم إلّا وأكشف عن ساقها وأطبع عليها ، فأخذ الشاب بيدها وقال : إرجعي فقد كفتنا هذه الزيارة ، فاغتاظ الناصبي لذلك وصاح عليه قائلا : يا رافضي استثقلت ما أمرتك فيها ، ثمّ مدّ يده وأخذ الخشبة الطويلة التي كانت عنده وركنها إلى صدر المرأة وأوقعها على الأرض وجانب بعض ثيابها وكشف عن بدنها ، فأقامها الشاب وتوجّه إلى الحرم الشريف ودموعه تنحدر وتجري وقال : يا سيّدي أترضى به فإنّي راض برضاكم - يعني حاشاك أن ترضى - ثمّ أخذ بيدها وعاد إلى منزله . قال الحاج جواد : كنت حينئذ في الدار إذ طرق عليّ طارق معجلا بعد ثلاث أو أربع ساعات وهو يقول : أجب والدة السيّد علي وأدركه ، فقمت مسرعا ولم أخرج ولم أصل إليه إلى أن تواتر عليّ الرسل ، فدخلت عليه ، فإذا به ملقى على فراشه يتململ تململ السليم وينادي ويشكو من وجع القلب وعياله حوله ، فلمّا رأتني أمّه وزوجته وبناته وأخواته إجتمعن حولي بالبكاء ، واستدعين منّي الذهاب إلى الشاب المزبور والإسترضاء عنه ، هذا وهو ينادي في فراشه ويقول : إلهي أسأت وظلمت وبئس ما صنعت ، فأتيت منزل الشابّ وأخبرته بالخبر وسألته الرضا عنه فقال : أمّا أنا فقد رضيت عنه ، ولكن أين عنّي ذلك القلب المنكسر والحالة التي كنت فيها ؟ فما رجعت إلّا وقد ارتج دار السيد علي بالبكاء ، والنساء ناشرات الشعر لاطمات الخدّ مشرفات بالحرم ، يردن الشفاء من الضريح المطهّر وأسمع أنين السيّد علي من الدار إلى الصحن الشريف ، فحضر فريضة المغرب والعشاء وأتيت وقمت للصلاة فما أتممت صلاتي إلّا ونودي نداء موته ، وضجّت عياله بالبكاء عليه فغسل في ساعته وأتي بالجنازة لتوضع في الرواق إلى الصبح . ولمّا كانت مفاتيح الروضة المقدّسة في تلك الأوقات لتعمير الحرم الشريف عندي وبيدي ،