السيد علي عاشور

71

موسوعة أهل البيت ( ع )

فلمّا مرّ ذلك اليوم وكان يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من رجب دخل عبد الرّحمن بن محمّد وسلّم عليه ، فأخرج القاسم الكتاب فقال له : اقرأ هذا الكتاب وانظر لنفسك ، فقرأ عبد الرّحمن الكتاب فلمّا بلغ إلى موضع النعي رمى الكتاب عن يده وقال للقاسم : يا أبا محمد اتق اللّه فإنّك رجل فاضل في دينك متمكّن من عقلك ، واللّه عزّ وجلّ يقول : وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ « 1 » وقال : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً « 2 » فضحك القاسم وقال : أتمّ الآية إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ومولاي هو الرضا من الرسول ، وقال : قد علمت أنّك تقول هذا ولكن أرّخ اليوم ، فإن أنا عشت بعد هذا اليوم المؤرّخ في هذا الكتاب فاعلم أنّي لست على شيء ، وإن أنا متّ فانظر لنفسك ، فأرّخ عبد الرّحمن اليوم وافترقوا . وحمّ القاسم يوم السابع من ورود الكتاب واشتدّت به في ذلك اليوم العلّة واستند في فراشه إلى الحائط ، وكان ابنه الحسن بن القاسم مدمنا على شرب الخمر ، وكان متزوّجا إلى أبي عبد اللّه بن حمدون الهمداني ، وكان جالسا ورداؤه مستور على وجهه في ناحية من الدار ، وأبو حامد في ناحية ، وأبو جعفر بن جحدر وأنا وجماعة من أهل البلد نبكي إذ اتّكى القاسم على يديه إلى خلف وجعل يقول : يا محمد يا علي يا حسن يا حسين يا مواليّ كونوا شفعائي إلى اللّه عزّ وجلّ وقالها الثانية وقالها الثالثة فلمّا بلغ في الثالثة : يا موسى يا علي تفرقعت أجفان عينيه كما يفرقع الصبيان شقائق النعمان ، وانتفخت حدقته وجعل يمسح بكمّه عينيه وخرج من عينيه شبيه بماء اللحم ثمّ مدّ طرفه إلى ابنه فقال : يا حسن إليّ يا أبا حامد ، إليّ يا أبا علي فاجتمعنا حوله ونظرنا إلى الحدقتين صحيحتين . فقال له أبو حامد : تراني ! وجعل يده على كلّ واحد منّا وشاع الخبر في الناس والعامّة . وأتاه الناس من العوامّ ينظرون إليه وركب القاضي إليه وهو أبو السبائب عتبة بن عبيد اللّه المسعودي وهو قاضي القضاة ببغداد ، فدخل عليه فقال له : يا أبا محمد ما هذا الذي بيدي ، وأراه خاتما فصّه فيروزج فقرّبه منه فقال : عليه ثلاثة أسطر فتناوله القاسم رحمه اللّه فلم يمكنه قراءته وخرج الناس متعجّبين يتحدّثون بخبره ، والتفت القاسم إلى ابنه الحسن فقال له : إنّ اللّه منزلك منزلة ومرتبك مرتبة فاقبلها بشكر . فقال له الحسن : يا أبه قد قبلتها . قال القاسم : على ما ذا ؟ قال : على ما تأمرني به يا أبه . قال : على أن ترجع عمّا أنت عليه من شرب الخمر . قال الحسن : يا أبه وحقّ من أنت في ذكره لأرجعن عن شرب الخمر ومع الخمر أشياء لا تعرفها ، فرفع القاسم يده إلى السماء وقال : اللهمّ ألهم الحسن طاعتك وجنبه معصيتك ، ثلاث مرّات ، ثمّ دعا بدرج فكتب وصيّته بيده رحمه اللّه ، وكانت الضياع التي في يده لمولانا وقف وقفه أبوه

--> ( 1 ) سورة لقمان ، الآية : 34 . ( 2 ) سورة الجنّ ، الآية : 26 .