السيد علي عاشور

139

موسوعة أهل البيت ( ع )

قال : فوجب أن لا يختلط النور والظلمة لذهاب كل واحد منهما في غير جهة الآخر ، فكيف وجدتم حدث هذا العالم من امتزاج ما هو محال أن يمتزج بل هما مدبران جميعا مخلوقان . فقالوا : سننظر في أمورنا . ثم أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على مشركي العرب فقال : وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون اللّه ؟ فقالوا : نتقرب بذلك إلى اللّه تعالى . فقال لهم : أو هي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى اللّه ؟ قالوا : لا . قال : فأنتم الذين نحتموها بأيديكم ؟ قالوا : نعم . قال : فلأن تعبدكم هي لو كان يجوز منها العبادة أحرى من أن تعبدوها ، إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم وعواقبكم والحكيم فيما يكلفكم . قال : فلما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هذا القول اختلفوا فقال بعضهم : إن اللّه قد حل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة فصورنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حلّ فيها ربنا ، وقال آخرون منهم : إن هذه صور أقوام سلفوا كانوا مطيعين للّه قبلنا فمثلنا صورهم وعبدناها تعظيما لله ، وقال آخرون منهم : إن اللّه لما خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود له كنا نحن أحق بالسجود لآدم من الملائكة ، ففاتنا ذلك فصورنا صورته فسجدنا لها تقربا إلى اللّه كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى اللّه تعالى ، وكما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم ثم نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها وقصدتم الكعبة لا محاريبكم وقصدتم بالكعبة إلى اللّه عزّ وجلّ لا إليها . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أخطأتم الطريق وضللتم ، أما أنتم - وهو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يخاطب الذين قالوا إن اللّه يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة التي صورناها فصورنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حل فيها ربنا - فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات ، أو يحل ربكم في شيء حتى يحيط به ذاك الشيء ، فأي فرق بينه إذا وبين سائر ما يحلّ فيه من لونه وطعمه ورائحته ولينه وخشونته وثقله وخفته ، ولم صار هذا المحلول فيه محدثا قديما دون أن يكون ذلك محدثا وهذا قديما ، وكيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال وهو عزّ وجلّ كان لم يزل ، وإذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال ، وما وصفتموه بالزوال والحدوث فصفوه بالفناء ، لأن ذلك أجمع من صفات الحال والمحلول فيه ، وجميع ذلك متغير الذات ، فإن كان لم يتغير ذات الباري تعالى بحلوله في شيء جاز أن لا يتغير بأن يتحرك ويسكن ويسود ويبيض ويحمر ويصفر وتحله الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها حتى يكون فيه جميع صفات المحدثين