السيد علي عاشور

136

موسوعة أهل البيت ( ع )

الذي هو عيسى صار قديما كوجود القديم الذي هو اللّه أو معنى قولكم أنه اتحد به أنه اختصه بكرامة لم يكرم بها أحدا سواه ، فإن أردتم أن القديم صار محدثا فقد أبطلتم ، لأن القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا ، وإن أردتم أن المحدث صار قديما فقد أحلتم لأن المحدث أيضا محال أن يصير قديما ، وإن أردتم أنه اتحد به بأنه اختصه واصطفاه على سائر عباده فقد أقررتم بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله ، لأنه إذا كان عيسى محدثا وكان اللّه اتحد به - بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده - فقد صار عيسى وذلك المعنى محدثين ، وهذا خلاف ما بدأتم تقولونه . فقالت النصارى : يا محمد إنّ اللّه لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ما أظهر فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه ، ثم أعاد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك كله ، فسكتوا إلا رجلا واحدا منهم فقال له : يا محمد أو لستم تقولون إن إبراهيم خليل اللّه ؟ قال : قلنا ذلك . قال : فإذا قلتم ذلك فلم منعتمونا من أن نقول أن عيسى ابن اللّه ؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنهما لن يشتبها ، لأن قولنا إبراهيم خليل اللّه فإنما هو مشتق من الخلة والخلة إنما معناها الفقر والفاقة ، فقد كان خليلا إلى ربه فقيرا وإليه منقطعا وعن غيره متعففا معرضا مستغنيا ، وذلك لما أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث اللّه جبرئيل فقال له : أدرك عبدي ، فجاء فلقيه في الهواء فقال له : كلّفني ما بدا لك فقد بعثني اللّه لنصرتك . فقال إبراهيم : حسبي اللّه ونعم الوكيل إني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلا إليه ، فسماه خليله أي فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عمن سواه ، وإذا جعل معنى ذلك من الخلة وهو أنه قد تخلل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان الخليل معناه العالم به وبأموره ، ولا يوجب ذلك تشبيه اللّه بخلقه . ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله ، وإن من يلده الرجل وإن أهانه وأقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده ، لأن معنى الولادة قائم به . ثم إن وجب لأنه قال لإبراهيم خليلي أن تقيسوا أنتم فتقولوا بأن عيسى ابنه وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى أنه ابنه ، فإن الذي معه من المعجزات لم يكن بدون ما كان مع عيسى ، فقولوا أن موسى أيضا ابنه ، وإن يجوز أن تقولوا على هذا المعنى أنه شيخه وسيده وعمّه ورئيسه وأميره كما قد ذكرته لليهود . فقال بعضهم لبعض : وفي الكتب المنزلة أن عيسى قال « اذهب إلى أبي وأبيكم » .