السيد علي عاشور
53
موسوعة أهل البيت ( ع )
قالت : أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء أعرني سمعك وفرغ لي قلبك ، أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم ، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون ، أنبئك العجب العجيب ، إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة ، فجمع في قصره من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل ، ومن ذوي الأخطار سبعمائة رجل ، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف ، وأبرز هو من بهو ملكه عرشا مصنوعا من أنواع الجواهر إلى صحن القصر ، فرفعه فوق أربعين مرقاة ، فلما صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكفا ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلبان من الأعالي ، فلصقت بالأرض ، وتقوضت الأعمدة فانهارت إلى القرار ، وخر الصاعد من العرش مغشيا عليه ، فتغيرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم . فقال كبيرهم لجدي : أيها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني ، فتطيّر جدّي من ذلك تطيرا شديدا ، وقال للأساقفة : أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبر العاشر المنكوس جده لأزوج منه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده ، فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول ، وتفرق الناس وقام جدى قيصر مغتما فدخل قصره وأرخيت الستور . فأريت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبرا يباري السماء علوا وارتفاعا في الموضع الذي كان جدي نصب فيه عرشه ، فدخل عليهم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم مع فتية وعدة من بنيه ، فيقوم إليه المسيح فيعتنقه فيقول له : يا روح اللّه إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لا بني هذا ، وأومأ بيده إلى أبي محمد صاحب هذا الكتاب ، فنظر المسيح إلى شمعون فقال له : قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، قال : قد فعلت ، فصعد ذلك المنبر وخطب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم وزوجني ( من ابنه ) وشهد المسيح عليه السّلام وشهد بنو محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم والحواريون ، فلما استيقظت من نومى أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدى مخافة القتل ، وكنت أسرها في نفسي ولا أبديها لهم ، وضرب بصدري بمحبة أبي محمد عليه السّلام حتى امتنعت من الطعام والشراب ، وضعفت نفسي ودق شخصي ومرضت مرضا شديدا ، فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي . فلما برح به اليأس قال : يا قرة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فأزودكها في الدنيا ؟ فقلت : يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة ، فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومنيتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح وأمه لي عافية وشفاء ، فلما فعل ذلك جدي تجلدت في إظهار الصحة في بدني وتناولت يسيرا من الطعام ، فسر بذلك جدي وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم ، فأريت أيضا بعد أربع ليال