السيد علي عاشور
150
موسوعة أهل البيت ( ع )
فقال أبو الحسن عليه السّلام : إسترحتم ؟ قلنا : نعم ، قال : فارتحلوا على اسم اللّه تعالى ، فارتحلنا فلما سرنا ساعة رجعت على الأثر ، فأتيت الموضع ووجدت الأثر والسيف كما وضعته والعلامة وكأن اللّه لم يخلق هناك شجرة ولا ماء ولا ظلا ، فتعجبت ورفعت يدي إلى السماء ، وسألت اللّه تعالى الثبات على المحبة والإيمان ، وأخذت الأثر فلحقت القوم فالتفت إلي أبو الحسن عليه السّلام وقال : يا أبا العباس فعلتها ؟ قلت : نعم يا سيدي لقد كنت شاكا فأصبحت وأنا عند نفسي من أغنى الناس بك في الدنيا والآخرة . فقال عليه السّلام : هو ذلك أنتم معدودون معلومون لا يزيد رجل ولا ينقص رجل . قال الراوي : فلما وصل عليه السّلام سر من رأى ، أنفذ المتوكل أن يحجب عنه ، فعزلوه بخان يعرف بخان الصعاليك « 1 » . وقيل في سبب مساهلة المتوكل مع الإمام عليه السّلام على ما كان فيه من عداوة أمير المؤمنين عليه السّلام وما فعل بقبر الحسين عليه السّلام ومنع من زيارته حتى إن علماء أهل السنة أيضا وصفوه بالنصب . قال في فوات الوفيات : تنفر المسلمون جميعا من عمله ثم إنه استقدم الهادي عليه السّلام ولم يتعرض له بحبس وقتل بل كان في عز ظاهر وحشمة نازلا في بعض دور الخلافة مع خدمه وذويه مدة أربع سنين في حياة المتوكل وست سنين أو أكثر بعده ولم يتفق لأحد من الأئمة عليهم السلام ذلك المقام الطويل في الحضرة معظما مكرما وذلك لأنّ مذهب الشيعة قد رسخت أركانه وثبتت أصوله وتمكن في القلوب قواعده وانتشر في أقطار الأرض دعوته وكثر في النواحي اتباعه في زمان الهادي عليه السّلام وأن الخلفاء علموا بطول المعاشرة أن الأئمة عليهم السلام لن يخرجوا عليهم طلبا للملك ولن يتوثبوا على سلطانهم ولن يستعجلوا للحصول على الإمارة كدعاة الزيدية من شرفاء بني الحسن وغيرهم وأول من تنبه لذلك المأمون وتبعه المعتصم والواثق بعد أن كان هارون ومن قبله يخافون من خروجهم كالزيدية ويزعمون أنه يمكن معارضة الحق بالسيف واطفاء نور اللّه بالقهر فلما سافر الرضا عليه السّلام إلى خراسان وظهر أمره وتبين طريقته وعاشره أصحاب الحكومة وعمال الخلافة تبين لهم خطؤهم في ظنونهم وأباح المأمون بعد قتل الرضا عليه السّلام البحث والنظر في الإمامة وفروعها إذ علم أن ظهور الشيعة الإمامية لا يوهن سلطانه . وروى الخطيب في تاريخ بغداد عن بعضهم قال : كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما . ومن أنت يا أحول حتى تنهي عما فعله النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وأبو بكر ،
--> ( 1 ) وفيات الأئمة : 356 .