السيد علي عاشور
141
موسوعة أهل البيت ( ع )
ثم قال عليه السّلام : فإذا شهد الكتاب بتصديق خبر وتحقيقه فأنكرته طائفة من الأمة ، وعارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة ، فصارت بإنكارها ودفعها الكتاب كفارا ضلالا ، وأصح خبر ما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم حيث قال : ( إني مستخلف فيكم خليفتين : كتاب اللّه وعترتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) واللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله عليه السّلام : ( إني تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ) فلما وجدنا شواهد هذا الحديث نصا في كتاب اللّه مثل قوله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ثم اتفقت روايات العلماء في ذلك لأمير المؤمنين عليه السّلام : أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر اللّه ذلك له وأنزل الآية فيه ، ثم وجدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة : ( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه ، وعاد من عاداه ) وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم : ( عليّ يقضي ديني وينجز موعدي وهو خليفتي عليكم بعدي ) وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم حيث استخلفه على المدينة فقال : يا رسول اللّه أتخلفني على النساء والصبيان ؟ فقال : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ) . فعلمنا أنّ الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار ، وتحقيق هذه الشواهد ، فلزم الأمة الاقرار بها إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن ، ووافق القرآن هذه الأخبار فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب اللّه ، ووجدنا كتاب اللّه لهذه الأخبار موافقا ، وعليها دليلا ، كان الاقتداء بهذه الأخبار فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد والفساد . ثم قال عليه السّلام : ومرادنا وقصدنا الكلام في الجبر والتفويض وشرحهما وبيانهما وإنّما قدمنا ما قدمنا ليكون اتفاق الكتاب والخبر إذا اتفقا دليلا لما أردناه ، وقوة لما نحن مبينوه من ذلك إن شاء اللّه . ( فقال ) : الجبر والتفويض يقول الصادق جعفر بن محمد عليهما السّلام ، عندما سئل عن ذلك فقال : لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين . قيل : فماذا يا بن رسول اللّه ؟ فقال : صحة العقل ، وتخلية السرب ، والمهلة في الوقت ، والزاد قبل الراحلة والسبب المهيج للفاعل على فعله ، فهذه خمسة أشياء فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطرحا بحسبه ، وأنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة وهي : الجبر ، والتفويض ، والمنزلة بين المنزلتين ، مثلا يقرّب المعنى للطالب ، ويسهّل له البحث من شرحه ، ويشهد به القرآن بمحكم آياته ، ويحقق تصديقه عند ذوي الألباب ، وبالله العصمة والتوفيق . ثم قال عليه السّلام : فاما الجبر . فهو : قول من زعم إن اللّه عزّ وجلّ جبر العباد على المعاصي