السيد علي عاشور
142
موسوعة أهل البيت ( ع )
وعاقبهم عليها ، ومن قال بهذا القول فقد ظلم اللّه وكذبه ، ورد عليه قوله : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 1 » وقوله جل ذكره : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ « 2 » مع آي كثيرة في مثل هذا ، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على اللّه وظلمه في عقوبته له ، ومن ظلم ربه فقد كذب كتابه ، ومن كذّب كتابه لزمه ( الكفر ) بإجماع الأمة ، فالمثل المضروب في ذلك : مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه ، ولا يملك عرضا من عروض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره - على علم منه بالمسير - إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به ، وعلم المالك ان على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في اخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن ، وقد وصف به مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور ، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة يعاقبه ، فلما صار العبد إلى السوق ، وحاول أخذ الحاجة التي بعثه بها ، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن ولا يملك العبد ثمنها ، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجة ، فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه على ذلك ، فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته ، وإن لم يعاقبه كذّب نفسه ، أليس يجب أن لا يعاقبه والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة ، تعالى اللّه عما يقول المجبرة علوا كبيرا . ثم قال العالم عليه السّلام : - بعد كلام طويل - : فاما التفويض الذي ابطله الصادق عليه السّلام وخطّأ من دان به ، فهو : قول القائل : ( إن اللّه عزّ وجلّ فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم ) . وهذا الكلام دقيق لم يذهب إلى غوره ودقته إلا الأئمة المهدية عليهم السلام من عترة آل الرسول صلوات اللّه عليهم فإنهم قالوا : ( لو فوض اللّه أمره إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضى ما اختاروه واستوجبوا به الثواب ، ولم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب إذ كان الإهمال واقعا ، وتنصرف هذه المقالة على معنيين : أما أن تكون العباد تظاهروا عليه فالزموه اختيارهم بآرائهم - ضرورة - كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن ، أو يكون جل وتقدس عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته ففوض أمره ونهيه إليهم ، وأجراهما على محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي على إرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان ، ومثل ذلك : مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ، ويقف عند امره ونهيه وادعى مالك العبد : انه قاهر قادر عزيز حكيم ، فأمر عبده ونهاه ، ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم العقاب ، فخالف العبد إرادة مالكه ، ولم يقف عند أمره ونهيه ، فأي أمر أمره به أو نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى ، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه ، وبعثه في بعض حوائجه وفيما الحاجة له فصار العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه وقصد إرادة نفسه واتبع هواه ، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف أمره فقال العبد : اتكلت على تفويضك الأمر إلي فاتبعت هواي وإرادتي لان المفوض إليه غير
--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 50 . ( 2 ) سورة الحج ، الآية : 10 .