السيد علي عاشور

93

موسوعة أهل البيت ( ع )

فقال : الحمد لله ! ثم التفت إلى بعض من بحضرته من شيعته ، فقال : هل علمتم ما قد رميت به مارية القبطية ، وما ادّعي عليها في ولادتها إبراهيم بن رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم ؟ ! قالوا : لا يا سيدنا ! أنت أعلم ، فخبّرنا ؟ لنعلم . قال : إن مارية لما أهديت إلى جدي رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، أهديت مع جوار قسمهن رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم على أصحابه ، وظن بمارية من دونهن ، وكان معها خادم يقال له ( جريح ) يؤدبها بآداب الملوك ، وأسلمت على يد رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، وأسلم جريح معها ، وحسن إيمانهما وإسلامهما ، فملكت مارية قلب رسول الله فحسدها بعض أزواج رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم . فأقبلت زوجتان من أزواج رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم إلى أبويهما تشكوان رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم فعله وميله إلى مارية ، وإيثاره إياها عليهما ، حتى سوّلت لهما أنفسهما أن يقولا : إنّ مارية إنما حملت بإبراهيم من جريح ، وكانوا لا يظنون جريحا خادما زمنا « 1 » . فأقبل أبواهما إلى رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم وهو جالس في مسجده ، فجلسا بين يديه ، وقالا : يا رسول الله ! ما يحل لنا ولا يسعنا أن نكتمك ما ظهرنا عليه من خيانة واقعة بك . قال : وماذا تقولان ؟ قالا : يا رسول الله ! إنّ جريحا يأتي من مارية الفاحشة العظمى ، وإنّ حملها من جريح ، وليس هو منك يا رسول الله ! فأربدّ « 2 » وجه رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم وتلون لعظم ما تلقّياه به ، ثم قال : ويحكما ! ما تقولان ؟ ! فقالا : يا رسول الله ! إننا خلفنا جريحا ومارية في مشربة ، وهو يفاكهها « 3 » ويلاعبها ، ويروم منها ما تروم الرجال من النساء ، فابعث إلى جريح فإنك تجده على هذه الحال ، فأنفذ فيه حكمك وحكم الله تعالى . فقال النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم : يا أبا الحسن ! خذ معك سيفك ذا الفقار ، حتى تمضي إلى مشربة مارية ، فإن صادفتها وجريحا كما يصفان ، فأخمدهما ضربا . فقام علي عليه السّلام واتشح بسيفه ، وأخذه تحت ثوبه ، فلما ولّى ومر من بين يدي رسول الله أتى إليه راجعا ، فقال له : يا رسول الله ! أكون فيما أمرتني كالسكة المحماة في النار ، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم : فديتك يا علي ! بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب . قال : فأقبل علي وسيفه في يده حتى تسوّر من فوق مشربة مارية ، وهي جالسة وجريح معها ، يؤدبها بآداب الملوك ، ويقول لها : أعظمي رسول الله ، وكنّيه ، وأكرميه ، ونحوا من هذا الكلام حتى

--> ( 1 ) الزمانة : عدم بعض الأعضاء وتعطيل القوى ، أقرب الموارد : 1 / 475 ( زمن ) . ( 2 ) أربد وجهه وتربد : احمر حمرة فيها سواد عند الغضب ، لسان العرب : 3 / 17 ( ربد ) . ( 3 ) فاكهه : مازحه ، تفاكه القوم : تمازحوا أقرب الموارد : 2 / 940 ، ( فكه ) .