السيد علي عاشور

86

موسوعة أهل البيت ( ع )

العلم بكل شيء قال : فيحصل جميع العلوم لتلك النفس وينتقش فيها جميع الصور من غير تعلّم وتفكّر ومصداق هذا قوله تعالى لنبيّه : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ « 1 » . ويأتي علم الأئمة بموتهم على التفصيل ، والتي هي أمور غيبية . وعلم الغيب لا بدّ أن يكون داخلا تحت هذا الشيء . أمّا ما ورد في نفي علم الغيب عنهم فلمّا تقدّم أنّهم ينفونه بكونه صفة لواجب الوجود ، وإنّه عين الذات ، فالنبي كان لعلم الغيب الإستقلالي ، ولم ينفوه بما هو من الله تعالى . قال العلّامة المجلسي : قد عرفت مرارا أنّ نفي علم الغيب عنهم معناه أنّهم لا يعلمون ذلك من أنفسهم بغير تعليمه تعالى بوحي أو إلهام ، وإلّا فظاهر أنّ عمدة معجزات الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام من هذا القبيل « 2 » . وللعلّامة الأميني كلام مشابه جميل لا بأس بالرجوع إليه « 3 » . وممّا يؤيّد ذلك قصّة الإمام الجواد عليه السّلام مع ابنة امّ جعفر حيث علم منها ما لا يعلمه إلّا الله فسألته امّ جعفر قائلة : « فمن أين لك علم ما لا يعلمه إلّا الله وهي » ؟ . فقال عليه السّلام : « وأنا أيضا أعلمه من علم الله » « 4 » . وبعد هذا لا يصار إلى ما ذكره الشيخ المفيد ( قده ) في أوائل المقالات « 5 » من نسبة علم الغيب إلى المفوضة ، حيث فسّر علم الغيب بأنّه من علم الأشياء بنفسها لا بعلم مستفاد ، فكأنه وقع خلط بين العلم الثابت لله كصفة لواجب الوجود وهو علم استقلالي نابع من ذات الباري عزّت ألاؤه ، وبين العلم الذي يوصف به آل محمد عليهم السّلام والذي هو من تعليم الله تعالى ، فليس هو بالعلم الإستقلالي ولا يعدّ صفة لواجب الوجود . فالأئمة يعلمون الأمور الغيبية من علم الله ، كما بيّناه . فينتج : أولا : أنّ علم الغيب لا يؤدي إلى التفويض المحرّم ، وإن كان بمعنى التفويض الصحيح « 6 » . ثانيا : شمول علم الأئمة عليهم السّلام لعلم الغيب كما تقدّم . ثالثا : بقية الاحتمالات في سعة علم آل محمد عليهم السّلام لا تنافي علم الغيب .

--> ( 1 ) الرسالة اللدنية : 69 وتقدّم كلامه مفصّلا . ( 2 ) بحار الأنوار : 26 / 103 باب انّهم لا يعلمون الغيب ح 6 . ( 3 ) الغدير : 5 / 52 إلى 65 . ( 4 ) مشارق أنوار اليقين : 99 . ( 5 ) أوائل المقالات : 68 القول 42 . ( 6 ) قد تقدم معاني التفويض .