السيد علي عاشور
110
موسوعة أهل البيت ( ع )
قال : كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السّلام فسأله رجل ، فقال : أخبرني عن الرب تبارك وتعالى ، له أسماء وصفات في كتابه ؟ فأسماؤه وصفاته هي هو ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام : إنّ لهذا الكلام وجهين : إن كنت تقول : هي هو ، أي أنه ذو عدد وكثرة ، فتعالى الله عن ذلك . وإن كنت تقول : لم تزل هذه الصفات والأسماء ، فإن لم تزل يحتمل معنيين : فإن قلت : لم تزل عنده في علمه وهو مستحقها ، فنعم . وإن كنت تقول : لم يزل تصويرها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شي غيره ، بل كان الله ولا خلق ، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه ، يتضرعون بها إليه ويعبدونه ، وهي ذكره وكان الله ولا ذكر ، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل . والأسماء والصفات مخلوقات المعاني ، والمعني بها هو الله الذي لا يليق به الاختلاف والائتلاف ، وإنما يختلف ويأتلف المتجزئ فلا يقال : الله مؤتلف ، ولا الله كثير ، ولا قليل ، ولكنه القديم في ذاته ، لأن ما سوى الواحد متجزئ ، والله واحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة ، وكل متجزئ ومتوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له . فقولك : إن الله ( قدير ) خبرت أنه لا يعجزه شي ، فنفيت بالكلمة : العجز ، وجعلت العجز سواه . وكذلك قولك : ( عالم ) إنما نفيت بالكلمة : الجهل ، وجعلت الجهل سواه ، فإذا أفنى الله الأشياء أفنى الصور والهجاء ، ولا ينقطع ولا يزال من لم يزل عالما . قال الرجل : كيف سمّي ربنا ( سميعا ) ؟ قال : لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع ، ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس . وكذلك سميناه ( بصيرا ) لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار ، من لون وشخص وغير ذلك ، ولم نصفه بنظر لحظ العين . وكذلك سمّيناه ( لطيفا ) لعلمه بالشي اللطيف مثل البعوضة وأحقر من ذلك ، وموضع الشق منها ، والعقل والشهوة ، والسفاد ، والحدب « 1 » على نسلها ، وإفهام بعضها عن بعض ، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز « 2 » والأودية والقفار ، فعلمنا أنّ خالقها لطيف بلا كيف ، وإنما الكيفية للمخلوق ، المكّيف وكذلك سمي ربنا ( قويا ) لا بقوة البطش المعروف من المخلوق ، ولو كان قوته قوة البطش المعروف من الخلق لوقع التشبيه لاحتمال الزيادة ، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان ، وما كان ناقصا كان غير قديم ، وما كان غير قديم كان عاجزا . فربنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضدّ ، ولا ندّ ، ولا كيف ، ولا نهاية ، ولا أقطار ، محرّم على القلوب أن تمثّله ، وعلى
--> ( 1 ) والحدب على نسلها ، أي التعطف والتحنن ، مجمع البحرين ج 2 ص 36 ( حدب ) . ( 2 ) المفازة : الموضع المهلك مأخوذة من فوز بالتشديد إذا مات لأنها مظنة الموت وقيل من فاز إذا نجا وسلم ، وسميت به نفاء لا بالسلامة ، المصباح المنير ( فوز ) .