السيد علي عاشور

89

موسوعة أهل البيت ( ع )

فقال المأمون : الرواية كثيرة ولا بدّ من أن يكون كلّها باطلا أو كلّها حقّا أو بعضها حقّا وبعضها باطلا فلو كانت كلّها حقّا كانت كلّها باطلا من قبل أن ينقض بعضها بعضا ولو كانت كلّها باطلا كان في بطلانها بطلان الدّين ، فلمّا بطل الوجهان ثبت الثالث وإذا كان كذلك فلا بدّ من دليل على ما يحقّ منها فإذا كان دليل الخبر في نفسه حقّا كان أولى ما اعتقد وأخذ به وروايتك هذه من الأخبار التي أدلّتها باطلة في أنفسها ، وذلك أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أولى الخلق بالصدق وأبعد الناس من الأمر بالمحال وحمل الناس على التديّن بالخلاف وذلك أنّ هذين الرجلين لا يخلو من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة أو مختلفين ، فإن كانا متّفقين من كلّ جهة كانا واحدا في العدد والصورة والجسم وهذا معدوم في الوجود ، وإن كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما لأنّه تكليف ما لا يطاق لأنّك إذا اقتديت بواحد خالفت الآخر ، والدليل على اختلافهما أنّ أبا بكر سبى أهل الردّة وردّهم عمر أحرارا وأشار عمر على أبي بكر بعزل خالد وبقتله بمالك بن نويرة فأبى أبو بكر عليه ، وحرّم عمر المتعة ولم يفعل ذلك أبو بكر ووضع عمر ديوان العطية ولم يفعله أبو بكر ، واستخلف أبو بكر ولم يفعل ذلك عمر ولهذا نظائر كثيرة « 1 » . فقال آخر من أصحاب الحديث : فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا . فقال المأمون : هذا مستحيل من قبل أنّ رواياتكم أنّه عليه السّلام آخى بين أصحابه وأخّر عليّا عليه السّلام فقال له في ذلك فقال : ما أخّرتك إلّا لنفسي ، فأيّ الروايتين تثبت بطلت الأخرى . قال آخر : إنّ عليّا قال على المنبر خير هذه الامّة بعد نبيّها أبو بكر وعمر . قال المأمون : هذا مستحيل من قبل أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لو علم أنّهما أفضل ما ولّى عليهما مرّة عمرو بن العاص ومرّة أسامة بن زيد ، وممّا يكذب هذه الرواية قول عليّ عليه السّلام : قبض النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأنا بمجلسه أولى منّي بقميصي ولكنّي أشفقت أن يرجع الناس كفّارا . وقوله عليه السّلام : أنّى يكونان خير امّتي وقد عبدت الله عزّ وجلّ قبلهما وعبدته بعدهما . قال آخر : فإنّ أبا بكر أغلق بابه وقال : هل من مستقيل فأقيله ؟ فقال عليّ عليه السّلام : قدّمك رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فمن ذا يؤخّرك . فقال المأمون : هذا باطل من قبل أنّ عليّا عليه السّلام قعد عن بيعة أبي بكر ورويتم أنّه قعد عنها حتّى

--> ( 1 ) قال الصدوق رضي اللّه عنه : في هذا فضل لم يذكره المأمون لخصمه وهو أنّهم لم يرووا عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ، وإنّما رووا أبو بكر وعمر ومنهم من روى أبا بكر وعمر ، فلو كانت الرواية صحيحة لكان معنى قوله بالنصف اقتدوا بالذين من بعدي كتاب الله والعترة يا أبا بكر وعمر ، ومعنى قوله بالرفع اقتدوا أيّها الناس وأبو بكر وعمر بالذين من بعدي كتاب الله والعترة .