السيد علي عاشور
138
موسوعة أهل البيت ( ع )
فقال : الله أعلم بأي لسان كلمه ، بالسريانية أم بالعبرانية فأخذ أبو قرة بلسانه فقال : إنما أسألك عن هذا اللسان . فقال أبو الحسن عليه السّلام : سبحان الله عما تقول ، ومعاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون ، ولكنه تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ، ولا كمثله قائل فاعل . قال : كيف ذلك ؟ قال : كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق ، ولا يلفظ بشق فم ولا لسان ، ولكن يقول له : كن ، فكان بمشيته ما خاطب به موسى من الأمر والنهي من غير تردد في نفس . فقال أبو قرة : فما تقول في الكتب ؟ فقال أبو الحسن عليه السّلام : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكل كتاب أنزل كان كلام الله تعالى ، أنزله للعالمين نورا وهدى وهي كلها محدثة وهي غير الله ، حيث يقول : أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً « 1 » وقال : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ « 2 » والله أحدث الكتب كلها التي أنزلها ، فقال أبو قرة : فهل يفنى ؟ فقال أبو حسن عليه السّلام : أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان وما سوى الله فعل الله ، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله تعالى ، ألم تسمع الناس يقولون : رب القرآن ؟ وإن القرآن يقول يوم القيامة : يا رب هذا فلان - وهو أعرف به - قد أظمأت نهاره ، وأسهرت ليله ، فشفعني فيه ؟ وكذلك التوراة والإنجيل والزبور كلها محدثة مربوبة ، أحدثها من ليس كمثله شيء ، هدى لقوم يعقلون ، فمن زعم أنهن لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم ولا واحد ، وأن الكلام لم يزل معه وليس له بدء وليس بإله . قال أبو قرة : وإنا روينا أن الكتب كلها تجي يوم القيامة والناس في صعيد واحد ، صفوف قيام لرب العالمين ، ينظرون حتى ترجع فيه ، لأنها منه وهي جزء منه فإليه تصير . قال أبو الحسن عليه السّلام : فهكذا قالت النصارى في المسيح : إنه روحه جزء منه ويرجع فيه ، وكذلك قالت المجوس في النار والشمس : إنهما جزء منه يرجع فيه ، تعالى ربنا أن يكون متجزئا أو مختلفا ، وإنما يختلف ويأتلف المتجزئ لأن كل متجزء متوهم والقلة والكثرة مخلوقة دالة على خالق خلقها . فقال أبو قرة : فإنا روينا أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين ، فقسم لموسى الكلام ، ولمحمد صلى الله عليه وآله الرؤية .
--> ( 1 ) سورة طه : 113 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 2 .