السيد علي عاشور

84

موسوعة أهل البيت ( ع )

فقال عليه السّلام : ما فعلت ولا أستحلّ ذلك وإنّي لمن يعتقد طاعتك على كلّ حال وقد بلغت من السنّ ما أضعفني عن ذلك لو أردته فصيّرني في بعض جيوشك حتّى يأتيني الموت فهو منّي قريب . فقال : لا ولا كرامة ثمّ ضرب يده إلى السيف وسلّ منه مقدار شبر وأخذ بمقبضه فقلت : إنّا لله ذهب والله الرجل ثمّ ردّ السيف ثمّ قال : يا جعفر أما تستحي مع هذه الشيبة أن تنطق بالباطل وتشقّ عصا المسلمين وتطرح الفتنة بين الرعية والأولياء ؟ فقال : ما فعلت ولا هذه كتبي ولا خطّي فانتضى من السيف ذراعا . فقلت في نفسي : إن أمرني بقتله عصيته وضربت المنصور وإن أتى ذلك عليّ وعلى ولدي ، فأقبل يعاتبه وجعفر يعتذر ثمّ انتضى السيف وأطرق ساعة ثمّ رفع رأسه وقال : أظنّك صادقا : يا ربيع هات الطيب فطيّبه وأعطاه عشرة آلاف درهم وقال لي : شيّعه إلى منزله مكرّما وخيّره بين المقام عندنا فنكرمه وبين الانصراف إلى مدينة جدّه ، فخرجنا من عنده وأنا مسرور بسلامة جعفر عليه السّلام ومتعجّب مما أراده به وما صار إليه من كفايته ، فلمّا صرنا في الصحن قلت له : يا بن رسول الله إنّي لأعجب ممّا صار إليه أمرك وقد سمعتك تدعو عقيب الركعتين ورأيتك قد حرّكت شفتيك في الصحن . فقال : أمّا الأوّل فدعاء الكرب والشدائد ، وأمّا الذي حرّكت به شفتي فهو دعاء رسول الله يوم الأحزاب ، فسرت معه إلى المنزل فأملى عليّ الدّعاء الأوّل والثاني ووهبني أرضا بالمدينة أعطى بها عشرة آلاف دينار . قال الربيع : فلمّا كان بعد أيّام وجدت خلوة من المنصور قلت : يا أمير المؤمنين رأيت غضبك على جعفر حتّى هممت بقتله ثمّ انجلى عنك ذلك كلّه حتّى طيّبته بالغالية التي لا يتطيّب بها إلّا أنت ؟ فقال : ويحك يا ربيع لا أحبّ أن يبلغ هذا ولد فاطمة فيفتخرون به علينا ولكن لا أكتمك شيئا . أخرج من في الدار فأخرجتهم فقال : لئن ألقيت ما أقول لك إلى أحد لأقتلنّك وولدك وأهلك . قلت : أعوذ بالله . قال : كنت مصرّا على قتل جعفر وأن لا أسمع له قولا ولا أقبل له عذرا وكان أمره وإن كان ممّن لا يخرج بسيف أغلظ عندي وأهمّ عليّ من أمر عبد الله بن الحسن وقد كنت أعلم هذا منه ومن آبائه على عهد بني أميّة فلمّا هممت به في المرّة الأولى فإذا أنا برسول الله متمثّلا لي حائلا بيني وبينه باسطا كفّيه حاسرا عن ذراعيه قد عبس وقطب في وجهي ، ثمّ هممت به في المرّة الثانية وانتضيت من السيف أكثر ممّا انتضيت منه في المرّة الأولى فإذا أنا برسول الله قد قرب منّي وهمّ بي أن لو فعلت لفعل ثمّ تجاسرت وقلت : هذا بعض أفعال الجنّ ، ثمّ انتضيت السيف في الثالثة فتمثّل لي رسول الله باسطا ذراعيه حتّى كاد أن يضع يده عليّ فخفت والله لو فعلت لفعل وكان منّي ما