السيد علي عاشور
85
موسوعة أهل البيت ( ع )
رأيت وهؤلاء من بني فاطمة لا يجهل حقّهم إلّا جاهل لا حظّ له في الشريعة فإيّاك أن يسمع هذا منك أحد . قال محمّد بن الربيع : فما حدّثني به أبي حتى مات المنصور وما حدّثت أنا به حتّى مات المهدي وموسى وهارون وقتل محمّد ، انتهى ملخّصا بألفاظه « 1 » . وفي ذلك الكتاب أيضا عن محمّد الكندر قال : كنت من جملة ندماء المنصور وخواصّه فرأيته يوما مغتّما فقلت : ما هذه الفكرة يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لقد هلك من أولاد فاطمة مقدار مائة وقد بقي سيّدهم وإمامهم جعفر الصادق . فقلت : إنّه رجل أنحلته العبادة واشتغل بالله عن طلب الخلافة ، فقال : يا محمّد وقد علمت أنّك تقول به وبإمامته ولكنّ الملك عقيم وقد آليت على نفسي أن لا أمسي عشيّتي هذه حتّى أقتله . قال محمّد : والله لقد ضاقت عليّ الأرض برحبها . ثمّ دعى سيّافا وقال له : إذا أنا أحضرت الصادق وشغلته بالحديث ووضعت قلنسوتي على رأسي فهي العلامة بيني وبينك فاضرب عنقه ، ثمّ حضر أبو عبد الله عليه السّلام في تلك الساعة ولحقته بالدار وهو يحرّك شفتيه فرأيت القصر يموج كأنّه سفينة في لجج البحار فرأيت المنصور وهو يمشي بين يديه حافيا مكشوف الرأس قد اصطكّت أسنانه وارتعدت فرائصه يحمرّ ساعة ويصفرّ أخرى وأخذ بعضد أبي عبد الله عليه السّلام وأجلسه على سرير ملكه وجثا بين يديه كالعبد بين يدي مولاه . ثمّ قال : يا بن رسول الله ما الذي جاء بك في هذه الساعة ؟ قال : جئتك يا أمير المؤمنين طاعة لله عزّ وجلّ ولرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم ولأمير المؤمنين أدام الله عزّه . قال : ما دعوتك والغلط من الرسول ثمّ قال : سل حاجتك . قال : أن لا تدعوني لغير شغل . قال : لك ذلك وغير ذلك . ثمّ انصرف وحمدت الله كثيرا فنام المنصور إلى نصف الليل ، فلمّا انتبه قال أحدّثك : لمّا أحضرت الصادق وهممت بقتله رأيت تنينا قد حوى بذنبه جميع داري وقد وضع شفته العليا في أعلاها والسفلى في أسفلها وهو يكلّمني بلسان عربيّ : يا منصور إنّ الله تعالى بعثني إليك إن أنت أحدثت في أبي عبد الله عليه السّلام حدثا فأنا أبتلعك ومن في دارك ، فطاش عقلي وارتعدت فرائصي . قال محمّد : قلت : هذا ليس بعجب يا أمير المؤمنين وعنده من الأسماء والدعوات التي لو قرأها على الليل لأنار ولو قرأها على النهار لأظلم ولو قرأها على الأمواج في البحور لسكنت .
--> ( 1 ) البحار : 47 / 196 - 198 ، ووفيات الأئمة : 236 .