السيد علي عاشور
16
موسوعة أهل البيت ( ع )
من هذا يحدّث عمّن لم يره ، فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن جابر بن عبد اللّه فصدّقوه وكان جابر واللّه يأتيه فيتعلّم منه « 1 » . قال السيد نعمة اللّه الجزائري في رياض الأبرار : ينبغي أن يحمل قوله : حدّثهم عن جابر يعني عن علومه التي يحملها عن المعصومين عليهم السّلام كان يقول عن جابر ولا يقول حدّثني جابر ، لأنّ كلّما كان يحدّث به عليه السّلام لم يسمعه عن جابر ويجوز أن يكون أخذ من إجازة عامة كأن يكون قال له : إنّي أحدّث عنك تلطّفا إلى تصديق الناس وهذا جائز في علم الدراية وحمله على ظاهره ممكن أيضا بأن يكون عليه السّلام سمع من جابر كلّما كان يحدّث به أوّل الأمر ، وذلك أنّ الناس من أهل المدينة وغيرهم إنّما قالوا ذلك القول في ابتداء الأمر فلمّا تحقّقوا سعة علمه واعتراف جابر بالعجز عنه وإنّه كان يأخذ العلم عنه ، أقبلوا إلى تصديقه ممّا يحكيه عن اللّه ورسوله وعن عليّ بن أبي طالب والحسين عليه السّلاهمام . ويرشد إليه ما رواه أبو جعفر بن بابويه في حديث طويل قال فيه : بم كان جابر يأتيه فيجلس بين يديه فيعلّم فربما غلط جابر فيما يحدّث به عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيرد عليه ويذكّره فيقبل ذلك منه ويرجع إلى قوله وكان يقول : يا باقر يا باقر أشهد باللّه إنّك قد أوتيت الحكم صبيّا « 2 » . وعن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : إنّ جابر بن عبد اللّه الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو معتجر « 3 » بعمامة سوداء وكان ينادي يا باقر العلم ، يا باقر العلم ، فكان أهل المدينة يقولون : جابر يهجر ، فكان يقول : لا واللّه ما أهجر ولكنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : إنّك ستدرك رجلا منّي اسمه اسمي وشمائله شمائلي ، يبقر العلم بقرا ، فذاك الّذي دعاني إلى ما أقول . قال : فبينا جابر يتردّد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مرّ بطريق في ذاك الطريق كتّاب ، فيه محمّد بن عليّ ، فلمّا نظر إليه قال : يا غلام أقبل فأقبل ثمّ قال له : أدبر فأدبر ثمّ قال : شمائل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والّذي نفسي بيده : يا غلام ما اسمك ؟ قال : اسمي محمّد بن عليّ بن الحسين ، فأقبل عليه يقبّل رأسه ويقول : بأبي أنت وأمّي أبوك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقرئك السّلام ويقول ذلك . قال : فرجع محمّد بن عليّ بن الحسين إلى أبيه وهو ذعر فأخبره الخبر ، فقال له : يا بنيّ وقد فعلها جابر قال : نعم قال : إلزم بيتك يا بنيّ فكان جابر يأتيه طرفي النّهار وكان أهل المدينة يقولون :
--> ( 1 ) الخرائج والجرائح : 1 / 279 ، والكافي : 1 / 469 ح 2 . ( 2 ) علل الشرائع : 1 / 234 ح 1 . ( 3 ) الاعتجار هو أن يلف العمامة على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه .