السيد علي عاشور
96
موسوعة أهل البيت ( ع )
وفي المجمع : بعد ما نقل القولين في معنى أولي الأمر أحدهما الأمراء والآخر العلماء ، قال : وأمّا أصحابنا فإنّهم رووا عن الباقر والصّادق عليه السّلام أنّ أولي الأمر هم الأئمة من آل محمّد أوجب اللّه طاعتهم بالإطلاق ، كما أوجب طاعته وطاعة رسوله ، ولا يجوز أن يوجب اللّه طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته ، وعلم أنّ باطنه كظاهره وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح ، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا العلماء سواهم ، جلّ اللّه أن يأمر بطاعة من يعصيه أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل ، لأنّه محال أن يطاع المختلفون ، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه . وممّا يدلّ على ذلك أيضا أنّ اللّه تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله ، كما قرن طاعة رسوله بطاعته ، إلا وأولوا الأمر فوق الخلق جميعا ، كما أنّ الرّسول فوق أولي الأمر وفوق سائر الخلق ، وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمّد الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم ، واتفقت الأمّة على علوّ رتبتهم وعدالتهم . ثمّ نقول : لمّا علم أنّ أئمة الهدى من آل محمّد قائمون مقام الرّسول وحجج في الشرع ، فكما في زمن الرّسول أنّ تنازع النّاس في شيء من أمور الدين يجب عليهم الرّد إلى اللّه والرّسول ، وكذلك بعد وفاته يجب عليهم الردّ إلى المعصومين القائمين مقامه والذين هم الخلفاء في أمّته ، والحافظون لشريعته بأمره ، فالردّ إليهم مثل الردّ إلى الرسول ، وأكّد سبحانه ذلك وعظمّه بقوله عز من قائل إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا « 1 » . أي الردّ إلى اللّه والرّسول والقائمين مقام الرسول خير لكم وأحسن من تأويلكم . وإن قلت : كما أنّ الأمراء المنصوبين من الرسول في زمنه كمعاذ بن جبل أرسله واليا إلى اليمن ، وغيره من الولاة الذين كانت إطاعتهم واجبة على الناس بأمر رسول اللّه ، لم يكونوا معصومين من الذنوب والخطأ والسهو والنسيان وغيرها ، كذلك الحكم في أولي الأمر بعده فما أوجب عصمة أولي الأمر الذين بعده ؟ أقول : هذا قياس مع الفارق جدّا وبينهما بون بعيد وأمد مديد ، وذلك لأنّ في عهد رسول اللّه لو تنازع الناس في شيء من أمور الدّين وأقبل أمر مشتبه للحكّام والقضاء والولاة المنصوبين منه في أحكام اللّه ، لكان رسول اللّه يكشف عنه ويزيل الشبهة ويقضي بالفصل ويصدع بالحق ، كما أمرهم اللّه بردّ التنازع إلى اللّه والرسول في الآية ، وأمّا بعد وفاته لو لم يكن صاحب الأمر القائم مقامه في كل عصر معصوما ومنصوبا من اللّه ورسوله ، لو أقبل تنازع في الدّين فمن يزيل الشبهة ويبيد الغائلة ؟ وكذا الكلام في الأمراء والحكّام من قبل الإمام فإنّ الإمام عالم بجميع الأحكام ، فبوجوده يرتفع التشاجر ويقلع التنازع . وعن جابر بن عبد اللّه قال : لما نزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 59 . ( 2 ) سورة النساء ، الآية : 59 .