السيد علي عاشور
95
موسوعة أهل البيت ( ع )
فأمرهم بهدم الكعبة فيجب عليهم هدم الكعبة ، مع أنّ اللّه حرّم عليهم هتك حرمتها ، وهل هذا إلا التناقض وكذا في أفعال الوليد ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . ونعلم قطعا أنّ اللّه تعالى عادل في حكمه وفعله وقوله ، وليس بظلّام للعبيد فتعالى عن أن يوجب إطاعة الأمراء الظلمة ، وهو تعالى يقول وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ « 1 » وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ « 2 » لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ « 3 » . وغيرها من الآيات بهذا المضمون . فالعقل الناصح يحكم بأنّ مراده تعالى من الآية ليس مطلق أولي الأمر ، ولا تشمل الظالمين منهم قضاء لحق البرهان العقلي ، جلّ جناب الرب أن يوجب على النّاس اتّباع هؤلاء الظلمة وأتباعهم وما أحلى قول الشاعر : إذا كان الغراب دليل قوم * فمأواهم محلّ الهالكينا ثمّ نقول : أنّ غير المعصوم ظالم ، والظالم لا يصلح لأن يكون من أولي الأمر ، فإنّ الظالم واضع للشي في غير موضعه ، وغير المعصوم كذلك فلا يؤمن في الشرع من الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل فلا بدّ من أن يكون أولوا الأمر معصومين . ثمّ نقول : العصمة ملكة تمنع عن الفجور مع القدرة عليها ، وتحصل بالعلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات ، وتتأكد بتتابع الوحي بالأوامر والنواهي ، فعلى اللّه تعالى أن يعرّف أولي الأمر ، لأنّه خارج عن طوق البشر ووسعهم ، فإنّ العصمة أمر باطني لا يعلمها إلّا اللّه ، على أنّا نقول كما أنّ الملوك مثلا إذا أمروا الناس بإطاعة الأمراء والقضاة ، فمعلوم بالضرورة ومستقر في النفوس أنّ مرادهم بذلك وجوب إطاعة الأمراء والقضاة الذين نصبهم وعيّنهم على النّاس لا غير ، وكذا في المقام نقول أن اللّه لا يأمر بإطاعة كل من صار أو جعل أمير المسلمين ولو ظلما وزورا ، بل بإطاعة الأمراء الذين عيّنهم اللّه تعالى ونصّبهم لذلك . الأمر الثالث : أنّ الزّمان لا يخلو من إمام معصوم منصوب من عند اللّه تبارك وتعالى ، لأنّه عزّ وجل أوجب إطاعة أولي الأمر ، ونعلم بالضرورة أنّ أمره تعالى في ذلك ليس مقصورا في زمن النبيّ لأنّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة وهو خاتم النّبيّين ، فكما أنّ إطاعة اللّه ورسوله لا يختص بزمانه بل هما واجبتان إلى قيام الساعة ، فكذا إطاعة أولي الأمر المقرونة بإطاعتهما ، وحيث أنّ الأمر بإطاعة المعدوم قبيح ، ففي كلّ عصر لا بد من صاحب أمر ، حتّى يصلح الأمر بإطاعته ، وهذا لا يصدق إلّا على الأئمّة من آل محمّد أوجب اللّه طاعتهم بالإطلاق بالبرهان الذي قدّمنا .
--> ( 1 ) سورة هود ، الآية : 113 . ( 2 ) سورة الجن ، الآية : 23 . ( 3 ) سورة هود ، الآية : 18 .