السيد علي عاشور

94

موسوعة أهل البيت ( ع )

القصائد المنسية عن ذكر اللّه وهي شرح كتاب علوي عجز الدهر أن يأتي بمثله . وبالجملة قال العمري بعد ذكر القصيدة : فضحك الوليد حتّى سقط على قفاه وصفّق بيديه ورجليه وأمر بالشراب فأحضر ، وأمرني بالإنشاد فجعلت أنشده هذه الأبيات وأكررها عليه ، وهو يشرب ويصفّق حتّى سكر وأمر لي بحلّتين وثلاثين ألف درهم فقبضتها ، ثمّ قال : ما فعل عمّار ؟ فقلت : حي كميت قد غشي بصره وضعف جسمه لا حراك به ، فأمر له بعشرة آلاف درهم فقلت له : ألا أخبر أمير المؤمنين بشي يفعله لا ضرر عليه فيه وهو أحبّ إلى عمّار من الدنيا بحذافيرها لو سبقت إليه ؟ فقال : وما ذاك ؟ قلت : إنّه لا يزال ينصرف من الحانات وهو سكران فترفعه الشرط فيضرب الحد ، فقد قطع بالسياط ولا يدع الشراب ولا يكف عنه ، فتكتب بأن لا يعرض له فكتب إلى عامله بالعراق أن لا يرفع إليه أحد من الحرس عمارا في سكره ولا غيره إلّا ضرب الرافع له حدّين وأطلق عمّارا . إلى آخر ما قال : وفي المجلس التاسع من أمالي الشريف المرتضى : أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان كان مشهورا بالإلحاد متظاهرا بالعناد ، غير محتشم في اطراح الدين أحدا ، ولا مراقب فيه بشرا ، وقد عزم على أن يبنى فوق البيت الحرام قبة يشرب عليها الخمور ويشرف على الطواف ونشر يوما المصحف وكان خطّه كأنّه إصبع وجعل يرميه بالسهام وهو يقول : تذكرني الحساب ولست أدري * أحقا ما تقول من الحساب فقل للّه يمنعني طعامي * وقل للّه يمنعني شرابي وفتح المصحف يوما فرأى فيه وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ « 1 » . فاتخذ المصحف غرضا ورماه بالنبل حتّى مزّقه وهو يقول : أتوعد كلّ جبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد فإن لاقيت ربّك يوم حشر * فقل يا ربّ مزّقني وليد « 2 » وهذا هو الحجّاج هدم الكعبة وقتل من المؤمنين والمتّقين وأولياء اللّه وعباده ممّا لا يحصى ، وفعل في إمارته ما فعل من أنواع الظلم بلغت إلى حدّ التواتر ، ويضرب بها المثل السائر فلو كان مراده عزّ وجلّ من أولي الأمر مطلق من تولى أمر المسلمين ، للزم التناقض في حكمه تعالى ، وذلك لأنّه تعالى جعل مثلا الكعبة البيت الحرام قياما للنّاس ، فلو أمر النّاس بإطاعة الحجاج في أفعاله

--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : 15 . ( 2 ) أمالي المرتضى : 1 / 90 ، وبحار الأنوار : 38 / 193 .