السيد علي عاشور
77
موسوعة أهل البيت ( ع )
والديات والقصاص وسائر أحكام العبادات والمعاملات أن يكون قبيحا ، ومن هو مأمون منه فعل القبيح هو المعصوم لا غير فيجب أن يكون الإمام معصوما . ثمّ إذا علم معنى العصمة فلا بد من أن يكون الإمام منصوبا من عند اللّه أو من رسول اللّه أو من إمام قبله لأنّ العصمة أمر خفي باطني ، تمييزه خارج عن طوق البشر ولا اطلاع لأحدهم عليها ولا يعلمها إلّا اللّه تعالى ، على أنّه لا خلاف ولا نزاع بين الأمة في أنّ الإمامة دافعة للضرر وأنّها واجبة ، وإنّما النزاع في تفويض ذلك إلى الخلق ، لما في ذلك من الاختلاف الواقع في تعيين الأئمة ، فيؤدّي إلى الضرر المطلوب زواله ولذا قال الشيخ الرئيس في آخر إلهيات الشفاء في الفصل الخامس من المقالة العاشرة في الخليفة والإمام : والاستخلاف بالنص أصوب فإن ذلك لا يؤدّي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف . مسلك عقلي آخر في أمر الإمامة أيضا ، ولمّا كانت هذه المسألة من أهم المسائل واكتفى بعض الناس فيها بالإقناعيات والخطابيات بل بالوهميات التي لا اعتداد بها في نصب الإمام ، وأطفأوا نور العقل وعطّلوه عن الحكم والقضاء ومالوا عن الجادة الوسطى ، وجانبوا الأدلّة القطعية العلمية والأصول اليقينية البرهانية ، ألهمت أن أسلك طريقة أخرى عقلية في تقريرها وتحريرها عسى أن يذكّر من تيسّر لليسرى فنقول : وبالله التوفيق وبيده أزمّة التحقيق : العقول حاكمة بأنّ أحوال العالم كلّها إنما قامت على العدالة ، وبأن الأنبياء بعثوا ليقوم النّاس بالقسط ، وبالعدل قامت السماوات والأرض ، وبه تنتظم جميع أمور النّاس ، وبه تصير المدينة مدينة فاضلة وبالعدالة المطلقة يعطى كلّ ذي حق حقّه ، وبه تحصل الكمالات العلميّة والعمليّة المستلزمة لنيل السعادة الأبدية ، والقرب إلى عالم القدس والإيصال إلى المعبود الحق ، وهو سبب الفوز والنجاة في الدّنيا والآخرة ، ولولا العدل لاختلّ نظام العالم ونظم اجتماع بني آدم ، وتعطّل الحدود والحقوق واستولى الهرج والمرج وفسد أمر المعاش والمعاد ، ولزم غيرها من المفاسد التي لا تعدّ ولا تحصى ، فالناس يحتاجون في كلّ زمان إلى إمام خيّر مطاع ، حافظ للدين عن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان ويكون هادي الأمة إلى ما فيه الفلاح والنجاح ورادعهم عن العدول عن الصراط المستقيم والانحراف عن النهج القويم وعن الميل إلى الأهواء المردية والآراء المغوية ، وسائقهم إلى طريق الإستقامة التي لا ميل فيها ، إلى جانبي الإفراط والتفريط فإنّ اليمين والشمال مضلّة والوسطى هي الجادّة ، ومعطي كلّ ذي حقّ حقّه ومقيم الحدود ، ومؤدي الحقوق والعدل في كلّ شيء هو وضع ذلك الشئ في موضعه ، أي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه بحسب استعداده واستحقاقه ، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه يحتاج إلى العلم بحقائقهم وقدر استحقاقهم ، واستعدادهم والاطلاع على الكلّيات والجزئيات وإحاطتها على ما هي عليه وهي غير متناهية ، فهي غير معلومة إلا للّه تعالى ولخلفائه الذين اصطفاهم ، فالإمام الذي بيده أزمّة العدل والحكم والكتاب يجب أن يكون خليفته في الأرض وخليفته منصوب من عنده ومعصوم من العيوب مطلقا .