السيد علي عاشور

78

موسوعة أهل البيت ( ع )

وكذا مستكن في القلوب ومتقرر في الحكمة المتعالية أنّ النفس بالطبع منجذبة إلى محبة مشاهدة النور الأكمل والعلم الأتمّ ، وكلما كان الكمال أعلى والنور أسنى والعلم أتمّ والنفس أطهر كانت النفوس إليه أطوع وميلها إليه أشدّ وأكثر ، ولمّا كانت العصمة هي العدالة المطلقة الرادعة عن الانحراف والظلم ، وكان الغرض الأقصى من الخلافة هو تكميل النفوس بانقيادها للإمام ، فيجب أن يكون الإمام معصوما حتّى يتحقق الغرض المطلوب منه وغير المعصوم ناقص بالضرورة عن كمال الإعتدال في القوى الثلاث أي الحكمة والشجاعة والعغّة المستلزمة للعدالة المطلقة ، فإذا كان ناقصا عنه يضلّ عن صراط اللّه المستقيم ولو في حكم جزئي ، والناقص المشتمل على الانحراف عن الصراط المستقيم لا يليق أن يكون واسطة الخلق إلى الحقّ وقائما بهدايتهم ، وبالجملة انّ الإمام منصب إلهي يتوقف على كمال عقله النظري والعملي والسلامة عن العيوب والعصمة عن الذنوب ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة ، وإلى ما حققناه وحرّرناه أشار طائفة من المتألّهين من الحكماء في أسفارهم بأنّ الأرض لا تخلو من حجة إلهيّة قط . قال الشيخ الرئيس في آخر الفصل الخامس من المقالة العاشرة من إلهيات الشفاء في الخليفة والإمام ووجوب طاعتهما ، بعد البحث عن الفضائل : ورؤوس هذه الفضائل عفّة وحكمة وشجاعة ، ومجموعها العدالة ، وهي خارجة عن الفضيلة النظرية ، ومن اجتمعت له معها الحكمة النظريّة فقد سعد ، ومن فاز مع ذلك بالخواص النبويّة كاد أن يصير ربّا إنسانيا ، وكاد أن يحل عبادته بعد اللّه تعالى وهو سلطان العالم الأرضي وخليفة اللّه فيه . بيان : إنّما عبّر الإمام بقوله ( ربّا إنسانيا ) لأنّ حجة اللّه على خلقه لمّا كان بشرا واسطة بين اللّه وعباده ، لا بدّ من أن يكون مؤيدا من عند الحكيم العليم بالحكمة العملية والنظريّة ، غير مشارك للناس على مشاركته لهم في الخلق بكرامات إلهيّة وأمور قدسيّة وصفات ملكوتية ، فعبّر الشيخ عن الجهتين أعني الجهة البشريّة والجهة الألوهيّة بقوله : ربّا إنسانيا . قال الشيخ شهاب الدين السهروردي : لا يخلو العالم من الخليفة الذي سمّاه أرباب المكاشفة ، وأرباب المشاهدة القطب ، فله الرئاسة وإن كان في غاية الخمول ، وإن كانت السياسة بيده كان الزمان نورانيا ، وإذا خلي الزمان عن تدبير مدّبر إلهي كانت الظلمات غالبة . وقال في شرح النصوص : لا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل أنّ الخليفة ظاهرة بصورة مستخلفه في خزائنه ، واللّه يحفظ صورة خلقه في العالم فإنّه طلسم الحفظ ، من حيث مظهريّته لأسمائه وواسطة تدبيره بظهور تأثيرات أسمائه فيها . وفي كلام أمير المؤمنين لكميل بن زياد : اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة ، إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا ، لئلّا تبطل حجج اللّه وبيّناته ، وكم ذا وأين أولئك ، أولئك واللّه الأقلون عددا والأعظمون قدرا ، يحفظ اللّه بهم حججه وبيّناته حتّى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في