السيد علي عاشور

76

موسوعة أهل البيت ( ع )

ولا يجوز أن يكون حسودا لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد فكيف يحسد من هو دونه ؟ ولا يجوز أن يغضب لشي من أمور الدّنيا إلّا أن يكون غضبه للّه عزّ وجلّ ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد فرض عليه إقامة الحدود ، وأن لا تأخذه في اللّه لومة لائم ولا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود اللّه عزّ وجلّ . ولا يجوز أن يحبّ أمور الدّنيا لأن اللّه حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدّنيا ، وهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدّنيا ، فهل رأيت أحدا ترك وجها حسنا لوجه قبيح ، وطعاما طيّبا لطعام مرّ ، وثوبا ليّنا لثوب حشن ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية ؟ إنتهى كلامه رفع اللّه مقامه ولله درّه « 1 » . أقول : ولا يخفى أنّ هذا الدليل جار في عصمة النّبي أيضا بل بطريق أولى . ثمّ إنّ الشيخ الرئيس كأنّما أخذ من هذا ما قال في النمط التاسع من الإشارات في مقامات العارفين حيث قال في آخره : العارف هشّ بشّ بسام يبجّل الصغير من تواضعه ، كما يبجّل الكبير وينبسط من الخامل مثل ما ينبسط من النّبيه ، وكيف لا يهشّ وهو فرحان بالحقّ وبكلّ شيء ، فإنّه يرى فيه الحقّ وكيف لا يستوي والجميع عنده سواسية ، أهل الرحمة قد شغلوا بالباطل - إلى أن قال : العارف شجاع وكيف لا وهو بمعزل عن تقيّة الموت ، وجواد وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل ، وصفّاح وكيف لا ونفسه أكبر من أن تخرجها زلّة بشر ، ونسّاء للأحقاد وكيف لا وذكره مشغول بالحقّ - إلى آخر ما قال . ثمّ إذا ثبت أنّ الإمام حجّة في الشرع وبقاء الدين والشريعة موقوف على وجوده وجب عقلا ، لا ينفي عنه ما يقدح في ذلك وينفّر عنه منه السهو والنسيان ، وإلّا فإذا حكم في واقعة وبيّن حكم اللّه لا تطمئن به القلوب لإمكان السهو والنسيان فيه ، فإذا كان حافظا للشرع ولم يكن معصوما منهما لما آمن في الشرع من الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل . ولم يحصل الوثوق بقوله وفعله وذلك ينافي الغرض من التكليف ، وكذلك إذا لم يكن منزّها من سائر ما تنفر الطباع عنها ، لا تميل النفوس إليها ولا تشتاق إلى حضرته لنيل السعادة ودرك الحقائق ، فلا يتم حجّة اللّه على خلقه بل الفطرة السليمة والرويّة المستقيمة والنفوس الكريمة تأبى عن طاعة من ارتكب ما تنفر عنه ، من أنواع المعاصي والفواحش والكبائر ولو في سالف عمره وتاب بعد ذلك . وأيضا لا خلاف بين المسلمين إنّ الإمام هو المقتدى به في جميع الشريعة ، وإنّما الخلاف في كيفيته فإذا كان هو المقتدى به في جميع الشريعة وواجب علينا الاقتداء به ، فلو لم يكن مأمونا منه فعل القبيح لم نأمن في جميع أفعاله ولا أقل في بعضها ممّا يأمرنا به ، ويدعونا إليه في الحدود

--> ( 1 ) الخصال : 215 ح 36 .