السيد علي عاشور

74

موسوعة أهل البيت ( ع )

ثمّ إنّ الإمامة رئاسة عامّة فلو لم يكن الإمام متّصفا بجميع الكمالات والفضائل وأكمل وأفضل من كلّ واحد من أهل زمانه ، وكان في الرعيّة من هو أفضل منه للزم تقديم المفضول على الأفضل ، وهل يرتضي العقل بذلك ؟ أرأيت أنّ العقلاء لا يذّمون من رجّح المفضول على الفاضل ؟ وهل تقدّم أنت مبتدءا في فنّ على من مارسه وتبحّر فيه ؟ وهل يجوّز عقلك ويرضي بأنّ اللّه الحكيم يقدّم المفضول المحتاج إلى التكميل على الفاضل المكمّل ؟ جرّد نفسك عن العصبيّة والمراء وتقليد الأمهات والآباء ، فانظر بنور البصيرة والحجى في كلامه تعالى : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ « 1 » . ولما كان المطلوب من إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الحجج تعليم النّاس الحكمة ، وتزكيتهم من الأرجاس وإقبالهم إلى عالم القدس ، فأيّ مصلحة يقتضيها التكليف في تقديم المفضول على الأفضل ، أليس هذا العمل نفسه بقبيح ، وهل القبيح إلّا ما فيه مفسدة ؟ أرأيت هل قدّم رسول اللّه وغيره من الأنبياء والكاملين وأولي النهي والملوك والأمراء مفضولا على فاضل في واقعة قطّ ، ولو فعل واحد ذلك أما يلومه العقلاء ؟ هل تجد خبرا ورواية أنّ رسول اللّه قدّم على أمير المؤمنين غيره ، وهل قدّم على سلمان سلام اللّه عليه عثمان بن مظعون مثلا ، ونعلم أنّ رسول اللّه لمّا نعيت إليه نفسه أمّر أسامة على أبي بكر وعمر وحثّ على خروج الكلّ من المدينة ولعن المتخلف عن جيش أسامة ، فكان أسامة في أمر الحرب وسياسة الجند وتدبير العسكر أفضل منهما وإلّا لما قدّمه عليهما ، ولو كان بالفرض عليّ معهم هل يقدّم رسول اللّه أسامة على عليّ ؟ ما أرى مسلما بصيرا في عليّ وأسامة أن يرضى بذلك بل يعدّه قبيحا جدا ، فإنّه لا يشك ذو بصيرة ودراية في أنّ أمير المؤمنين عليّا كان بين الصحابة كالمعقول بين المحسوس ، ونسبته إليه كنسبة النور إلى الظلمات ونسبة الحياة إلى الممات ، فتشهد الفطرة السليمة على قبح تقديم المفضول على الفاضل . ثمّ لو كان الإمام عاصيا عن أمر اللّه تعالى ومذنبا سواء كانت الذنوب صغيرة أو كبيرة فنقول أوّلا : أنّه لما كانت العلة المحوجة إلى الإمام هي ردّ الظالم عن ظلمه والانتصاف للمظلوم منه ، وحمل الرعيّة على ما فيه مصالحهم وردعهم عما فيه مفاسدهم ونظم الشمل وجمع الكلمة ، فلو كان مخطئا مذنبا لاحتاج إلى آخر يردعه عن ظلمه ، فإنّ الذنب ظلم وننقل الكلام إلى ذلك الآخر فإن كان معصوما من الذنوب وإلّا لزم عدم تناهي الأئمة .

--> ( 1 ) سورة يونس ، الآية : 35 .